ام حيدر
السلام على الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين .. في اليوم التاسع عشر من شهر محرم الحرام من عام ١٩٨٣ تم اعتقالي وكنت قد عبأت نفسي لهذا الامتحان الصعب والابتلاء العظيم . كنت اتوقع هذا المصير الذي عم وكثر خصوصا في بداية الثمانينات ، وتوقعت في يوم قريب سيتحقق الاعتقال المشؤوم الذي لم يسلم منه اخوتي واخواتي وكثير ممن عرفوا بالاستقامة وحسن الخلق . كنت اسمع عن زبانية البعث والتعذيب الوحشي الذي يمارسوه بحق من خالفهم الرأي والعقيدة ، همهم ارضاء الطاغية صدام واشباع جوعهم الشيطاني الذي استولى على نفوسهم المريضة ، وعند اعتقالي رأيت قسوتهم التي لاتوصف فهم كالوحوش الكاسرة يعذبون السجناء بكل ما اووتوا من قوة ليسحبوا منهم الاعتراف قسرا ، ثم يدفعون بهم في طوابير الموت الزؤام ودفنهم احياء في المقابر الجماعية
لقد خيروني وانا تحت وطاة السياط وصعقات الكهرباء بين اطلاق سراحي ان ارشدتهم الى مكان مطلوبين هربوا من بطشهم الى جهة مجهولة وبين التعذيب الذي نهايته الاعدام . تزاحمت الافكار والتساؤلات في راسي الذي كاد ان ينفجر، هل يريدون ان اعترف على رفيقتي التي تشردت مع طفلتيها بعد اعتقال زوجها ، وكنت احمل همها واسعى لاجد مأوى لها ، ام ادلهم على الاخرى التي تركت اهلها مضطرة ولجأت الى بيتنا ليحميها بعض الوقت !!
ام ارشدهم لمن انقذ ارملة شهيد وابنها وساعدهما على الهرب الى ايران ، او من تبرع بمبلغ لاسرة فقدت معيلها وووو.. كنت اخفي معلومات قد تكون مفيدة بالنسبة للاعداء ،، ولكن الافصاح عنها فيه هلاك الاخرين للمؤمنين.. خيرت نفسي كما خير الحر نفسه ليلة العاشر من المحرم بين الجنة والنار .. وقد اخترت والتزمت الصمت وقررت ان اسلك سبيلا واحدا للنجاة ، سبيل ابي الاحرار الحسين ع ولقد عاهدته من قبل ، ان لا اهاب الموت ولا اخشاه و ابذل نفسي في سبيل الحق كما فعل المخلصون السائرون في طريقه .. ان صرخة ابا عبد الله في وجه الطغاة ( هيهات منا الذلة) دوت في اعماقي ،،وانا في قمة ضعفي فانتعش لها قلبي الذي كاد ان يتوقف من هول الواقعة .. ابحرت في عالم اخر ، وصرت لااشعر بالسياط القاسية ولا بصراخهم وصعقات الكهرباء.. واصبحت اهمس في داخلي فليقطعوا لحمي وليحرقوا بدني ويفعلوا ما يشاؤون فالموت واحد .. ومصيري ان صبرت الشهاده ولاينالها الا ذو حظ عظيم او النصر على المستكبرين وفيه رضا ربي وراحة نفسي.. حاولت جاهدة ان انقطع عن العالم الخارجي وانسى كل من اعرفه واحصن فكري وروحي وامنعهما حتى من الاشتياق لعائلتي او تصور معاناتها.. وحدثت نفسي بالاطمئنان والسكينة والرضا بقضاء الله ، وقلبت ذاكرتي بما احفظ من ايات القران الكريم وبعض الادعية واردد الاية المباركة( وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لايبصرون).. دعوت الله عز وجل (وانا معلقة في السقف ) ان ينعقد لساني فلا اتفوه بحرف واحد يستغله الجلادون في اذى انسان.. وحين انهار بدني وانخلعت يدي وتورم وجهي ، شعرت بايادي خفية تمسح على قلبي وتشعره بالامان .. وكأن الزهراء ع حاضرة معي تشد ازري وتشجعني وتبارك لي صبري .. صرت احمد الله على نعمته ، اذ الهمني الصبر وشعرت اني بخير وتجلى قول رسول الله ص( عجبت لامر المؤمن كله خير ) .. ولم تغب عن واعيتي صور الصمود والبسالة والفداء لاتباع الحسين ع وهمً يودعونه الى الموت واحدا تلو الاخر ويرسمون معه لوحة الشهادة ولقد رايت البسالة والثبات عند عشاق الحسين ع في السجون المظلمة .. فقد نشروا بعضهم بالمناشير ودقت المسامير في ايدي وارجل اخرين و حرقوا الاجساد الطاهرة ، واذابوها في احواض التيزاب و ثرموا اخرين وجعلوهم طعاما لاسماك دجلة .. وبكل فخر شارك الشهداء والمعذبون في احياء ملحمة الطف العظيمة حين لبوا النداء وهتفوا ياحسين ورسموا بدماءهم الزكية الامتداد الحقيقي للثورة الحسينية الخالدة التي هدفها اقامة الدين ونبذ الطاغوت .. ( اني لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما ) .. اليك ولائي ووفائي وحبي سيدي ومولاي ياابا عبد الله ،، يابن بنت رسول الله ،، اشفع لنا عند ربك وربنا ليتقبل منا ومن كل من واجه الطغاة بنفسه واهله وماله وولده ونكون معك وفي جوارك وجوار رسول الله والعترة الطاهرة عند مليك مقتدر .. اللهم تقبل منا واجعلنا مع الحسين واولاد الحسي ن واصحابه ومع الشهداء ،، انك سميع مجيب.

