نهلة الشهال
غداة جريمة باريس، وُجِّهت إلي ثلاثة أسئلة عبر إحدى الإذاعات الإقليمية، استحق المذيع عليها غضبي وتوبيخي. وها أنا هنا اعتذر منه، لأنني اكتشفت مذاك أن ما ظننته سوء تدبير وقلة فهم منه، هو في الحقيقة ركائز الوعي الشائع. ولا أقول ذلك بأي تعالٍ «نخبوي»، بل لتقرير حالنا، وهو حال مدهش إلا للسينيكيين الذين لا يكترثون.
السؤال الأول: «على رغم إعلان سلطات البلدان الإسلامية كافة استنكارها وإدانتها لجريمة قتل صحافيي شارلي ايبدو، إلا أن المتبقين على قيد الحياة من فريق عمل هذه الصحيفة شرعوا يعملون على عدد جديد وقرروا الاستمرار في نشر رسومهم المسيئة للإسلام». انتظرت بقية السؤال، لكن ذلك كان السؤال كله! سألته إن كان يقصد أن عليهم الارتداع طالما قُتل زملاؤهم للسبب نفسه، وهو ما يعني فعلياً تبرير الجريمة أو الإنذار بأخرى تليها، وسألته أيضاً إن كانت تلك الإدانات العربية والإسلامية للجريمة هي «جميل» يجب أن يُقابَل بالعرفان فيحمل هؤلاء الصحافيين على الامتناع عن تكرار فعلة زملائهم المقتولين، بل فعلتهم هم وقد نجوا بالصدفة؟ وأضفت: هذا بغض النظر عن رأيي الشخصي في رسوم شارلي ايبدو التي اعتبرها منحطة بالفعل.
ارتبك المذيع، ولم يفهم كيف أجمع هذه «التناقضات» في موقفي، وفضّل الانتقال إلى السؤال الثاني الذي كان معداً له أو من قبله: «بينما تتعرض أماكن العبادة الإسلامية ومصالح المسلمين لاعتداءات، نرى البوليس الفرنسي يحمي أماكن عبادة اليهود ومتاجرهم، فلماذا؟»، فسألته إن كان لاحظ أن متجرا يهودياً (واجهته تقول انه سوبرماركت «حلال» لليهود) تعرض للهجوم، وكان قد أُعلن للتو عن مقتل أربعة ممن كانوا ضمنه؟ وأنه لمرة، تبدو حماية هذه الأماكن منطقية بينما المعتاد أن تُحابي السلطات الأوروبية (أو تخشى) كل ما يمت إلى اليهود بصلة لألف سبب معلوم (ومنها اضطهاد أوروبا التاريخي لهم)، وأيضا لأسباب سياسية تتعلق بسطوة الصهيونية. وأنه لمرة أيضاً، وللأمانة، وعلى رغم عدم إعجابي بمسلك السلطات الفرنسية إجمالاً، ففقد انتشر أيضاً البوليس لحماية أماكن العبادة الإسلامية، وأنه لا داعي لتبني موقف الاشتباه بمسلك السلطات الفرنسية بغض النظر عن الوقائع.
ارتبك أيضاً، ولم يفهم مجدداً «التناقضات» في موقفي، وانتقل إلى السؤال الثالث: «ألا تظنين أن كل الأمر مدبر من جهات عليا غربية أو صهيونية؟»، فصرخت به بأنْ لا! وبأنهم فعلاً شبان من أبنائنا، ويظنون أنهم بذا يدافعون عن الإسلام وينصرونه، وأنه علينا الكف عن مسلك إنكار أعطابنا. فلم يفهم كذلك كيف لي أن أكون ضد فعلتهم وضد تفكيرهم ولا أنكرهم، وكيف لي أن أكون مناهضة للسياسة الغربية وللصهيونية بمقدار ما أنا عليه، وأرفض إلقاء وزر الجريمة على أعدائي هؤلاء. وأظن الرجل لن يعاود الاتصال بي لأنني لست واضحة بما فيه الكفاية!
وفي سياق نقاش آخر على فايسبوك هذه المرة، طلبتُ من أصدقاء أحترم تماماً ذكاءهم وثقافتهم أن يكفوا عن المحاجّة والبرهنة على أن تلك الجريمة كارثة تفيد الغرب وإسرائيل وتضر بالمسلمين، لأنني أعتقد أن «القاعدة» وأصحابها يتقصدون هذه الكارثة، ويريدون للأمور أن تذهب نحو الأسوأ وأن تستفحل. فهذا يعزز نظرية «الفسطاطين» التي حدّثها على طريقته بن لادن… أما أن يؤدي الأمر إلى مزيد من الاضطهاد والتنكيل بالمسلمين في العالم الغربي، ومزيد من «الحروب ضد الإرهاب»، أي التنكيل بمناطقنا المقصوفة بلا توقف، فهذا مُنى «القاعدة» وصحبها، وتأكيد لنظريتهم عن طبيعة الحرب الدائرة، الإبادية أو الإخضاعية. وأما المسلم (المضطهَد والمُهان، والذي تعمل «القاعدة» ومن على شاكلتها على «تظهير» اضطهاده وإهانته ولو بافتعال الأسباب الإضافية لمزيد من وقوع الاضطهاد والإهانة عليه)…، المسلم الذي لا ينحاز لأيديولوجيا «القاعدة» وصحبها، فيستحق القتل. لذا فـ»الضرر» اللاحق بصورة العرب والمسلمين وبمصالحهم ليس بالأمر السيئ في نظر هؤلاء، بل هو تظهير للواقع وترسيم للشرخ القائم. وأنْ يحدث مزيد من القمع لمن كان مسلماً أو أسمر البشرة أو أسودها، يجعل هؤلاء أمام خيار وحيد هو الالتحاق بـ»القاعدة»، فعلاً أو قلباً. وأما أن تستعيد شارلي ايبدو بريقاً (كان قد خبا تماماً قبل الحادث) فهو وضع للأمور في نصابها. وهذا كله من ضرورات تنظيم الحرب الأبدية الشاملة.
من المدهش ملاحظة التقاطعات بين هذا المنطق الذي تُكرِّر «القاعدة» وأمثالها قوله في كل مناسبة، ومنطق الاستعماريين القدماء والجدد، ودعواتهم الاستعلائية، التي تقول إنه طالما هذا «11 سبتمبر» الباريسي، فعلى السلطات الفرنسية اتخاذ ما يشبه القرارات الأميركية (الكارثية، الم يثبت ذلك؟ لا يهم عند هؤلاء) التي اتخذت بعد 11 سبتمبر النيويوركي… يعني الحرب. والجدل الدائر اليوم في فرنسا وأوروبا يتعلق بإعلان «باتريوت أكت» من عدمه. وإن كان القرار الذي جنحت إليه المداولات يميل إلى عدم تبني مثل هذا التدبير، إلا أن الإجراءات المتخذة («الاستثنائية» كما يُقال، ولكن الاستثناء سرعان ما يصبح القاعدة ويتطبَّع) تشبه «باتريوت أكت»: حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تتجه إلى منطقة الشرق الأوسط، و»ستشارك في القصف على العراق لو احتاج الأمر»، وهو قصف يوقع مئات القتلى المدنيين كل مرة، من أفغانستان إلى منطقة الساحل الأفريقي، ويثير حقد الناس و»استعدادهم للقتال ضد الغرب» ولا يؤثر إلا قليلاً جداً على المجموعات الإرهابية التي ما فتئت تزدهر منذ أول قصف قبل ما يقرب من 15 عاماً. وهناك تدابير «الحماية» التي يصفق لها جمهور خائف، ويطالب بالمزيد منها، فتمر بلا معارضة تُذكر، وتتكشف بعد وقت قصير عن انتهاكات خطيرة للحريات الشخصية (دِين الغرب الحديث) من تنصت على كل شيء واستباحة باسم الأمن وبما يتجاوز تماماً ضروراته، وإشاعة أساليب التعذيب المرعب حيال مشتبه بهم، ناهيك بالمرتكبين…
لسنا وحدنا الذين نتصرف بطريقة خرقاء وبكثير من الجهل وبغيرهما من الخصائص والعيوب التي استفحلت بسبب تراكم الهزائم والإحباطات والفقر الخ… فهؤلاء القوم، من دون معاناة ولا عقد اضطهاد ولا حاجة للتعويض، وهم مترفون ومثقفون ومستنيرون وعقلانيون خصوصاً، يكررون الأفعال والأقوال نفسها التي خبروها وثبت فشلها وكارثيتها!

