فزعة بشرية هائلة، ومشاركة عربية منافقة، ولافتات احتجاجية حجبت بطوفانها المدوي واجهات الشوارع الباريسية، رافقتها تظاهرات شعبية عارمة ضاقت بها الساحات والشوارع والميادين. كانت فزعة غير مسبوقة، وليس لها مثيل منذ فوز فرنسا بكأس العالم عام 1998.
وقف هؤلاء كلهم وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، ومن خلفه الحكام العرب. زحفوا كلهم في موكب جنائزي لمواساة أسر العاملين في صحيفة (شارلي عبدو)، الذين رسموا الرسوم المسيئة للرسول الكريم وللإسلام والمسلمين. قالوا أنهم هرعوا لباريس للوقوف بوجه الإرهاب المعادي لحرية الصحافة والمعادي لحرية التعبير، بصرف النظر عن مدى الإساءة التي يحملها لمشاعر الشعوب والأمم.
المثير للغرابة أن هذه التظاهرة التي شاركت فيها أكثر من خمسين دولة. شارك فيها قتلة الأطفال، وقادة الخلايا الظلامية، ورفعت فيها الإعلام الفلسطينية. حملها معه الرئيس محمود عباس، متجاهلاً ما فعلته إسرائيل وعملاؤها عندما أقدموا على قتل الرسام الفلسطيني (ناجي العلي) لأن رسوماته كانت هي الرصاصة التي أدمت قلوب الصهاينة.
من في الحكام العرب يتذكر رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، الأب الروحي لشخصية الولد (حنظلة)، والذي يمثل في الذاكرة الجمعية الفلسطينية الوقت الذي لا يمضي منذ النكبة وفقدان الوطن ؟. لقد تعرض ناجي العلي إلى النيران في لندن في عام 1987، وتوفي متأثرا بجراحه. لم تعلن إسرائيل أبداً مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، وهناك فرضيات تقول أن اغتياله كان جزء من تصفية حسابات داخلية في منظمة التحرير. لكن السلطات البريطانية اعتقلت في حينه عدة مشبوهين، كان من بينهم عميلا مزدوجا للموساد. وأدى ذلك الاعتقال في حينه إلى طرد دبلوماسيين إسرائيليين تبين أنهم عملاء للموساد في لندن، وتم إغلاق الملف بهدوء. ثم قتلوا العشرات من أمثاله.
من في الحكام العرب يتذكر مشهد الصواريخ العدوانية، التي استهدفت منزل الرسامة العراقية (ليلى العطار)، لأنها رسمت لوحة كاريكاتورية لبوش الأب ووضعتها على أرضية مدخل فندق الرشيد، فكان على من يريد دخول الفندق أن يدوس بأقدامه على صورة الإرهابي المتهم بارتكاب جرائم الحرب والحصار. لم تحتمل أمريكا راعية حرية التعبير أن يمارس الرسامين العراقيين حق التعبير، فثارت ثائرتها عام 1993، واستنفرت قواتها الأطلسية ومخابراتها الخليجية، لتقصف بيت الرسامة وتمزق جسدها، وتقتل أفراد أسرتها كلهم بضربة غاشمة واحدة تحول فيها بيتها إلى ركام من رماد وحجارة.
لكن الدنيا قامت ولم تقعد في فرنسا وأمريكا وأستراليا وألمانيا والنرويج والدنمارك وإسبانيا بموت العاملين في باريس. بينما يتزاحم ممثلو الكيانات العربية بالمناكب ليحتلوا الصفوف الأولى في هذه الفزعة الباريسية المفزعة، ويطبقون شفاههم ويغمضون أعينهم بمجرد سماع دوي القاصفات الأطلسية، وهي تقتل وتذبح وتدمر كيفما تشاء وحيثما تشاء. من دون أن يحتج عليها أحد، ومن دون أن يبكي علينا أحد.
لماذا لا يتضامنون معنا ومع قضايانا العادلة ؟. ومتى يخجل الحكام العرب من أنفسهم ويقفوا معنا وقفة مشرفة واحدة ؟. ألا ترون كيف انضموا كلهم إلى جوقات المنافقين، وباعوا ضمائرهم، وكيف انسلخوا من دينهم وقوميتهم، ليسبغوا زيفاً إعلامياً على مواقف الطغاة والبغاة والحشرات، متظاهرين بالدفاع عن حرية التعبير. التي تسمح لهم بأن يشتمونا ويلعنونا ويستفزوننا من دون أن يسمحوا لنا بالرد على طريقتهم التي آمنوا بها، وسبقونا إلى تطبيقها. فحرية التعبير مجرد يافطة مؤقتة. يرفعونها في المواقف الانتقائية. يردوننا أن نصدقها ونؤمن بها إذا كانت تصب في مصلحتهم. لكنهم يضعونها تحت أقدامهم عندما تتضرر مصالحهم.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

