Pdf copy 1

  كاظم فنجان الحمامي
أتألم كثيراً كلما شاهدت أساطيل ناقلات النفط العربية العملاقة وهي تنمو وتكبر وتتطور وتجني الأرباح الهائلة، ويصيبني الذهول والقلق كلما شاهدتها وهي تجوب البحر في رحلاتها المكوكية المتردد بين الموانئ العربية والعالمية، فأتساءل مع نفسي: ما الذي يمنعنا من تفعيل مشاريعنا البحرية الوطنية المربحة والمثمرة طالما تعود علينا بالنفع والفائدة ؟. وما الضير من إحياء أسطولنا العملاق الذي كانت تمتلكه شركة ناقلات النفط العراقية في عصرها الذهبي. ربما لا يعلم القارئ الكريم أن أولى رحلاتي التدريبية في عرض البحر كانت عام 1973 على ظهر ناقلة النفط العراقية (خانقين). أذكر أننا في ذلك العام عبرنا المحيط الأطلسي في طريقنا إلى ميناء (ريو دي جانيرو) بالبرازيل. كانت ناقلتنا مغادرة من ميناء الفاو الجنوبي، ومحملة بنحو (35000) طناً من النفط الخام.لقد نهض أسطولنا النفطي أول مرة عام 1972 بسبع ناقلات بُنيت لحساب العراق في أسبانيا، وهي الناقلات: جمبور، وباباكركر، وعين زالة، وكركوك، وخانقين، والرميلة، وبزركان. ثم التحقت بها أربع ناقلات عملاقة بُنيت في السويد لحساب العراق. حمولة كل منها (155) ألف طن، هي الناقلات: عمورية، وحطين، والمستنصرية، والقادسية. ثم التحقت بها أربعة ناقلات أخرى بُنيت في اليابان لحساب العراق، وكانت حمولاتها تتراوح بين (135 – 110) طناً، وهي: اليرموك، والفراهيدي، والمتنبي، وطارق بن زياد. وتوسع أسطولنا شيئا فشيئا، فالتحقت به الناقلات المتخصصة بتحميل المنتجات النفطية، وهي: التأميم، والرسالة، والكرامة، والنصر، وتدمر، و 7 نيسان، و11 آذار، و1 حزيران، والبصرة. أما الآن فلا يمتلك أسطولنا سوى أربعة ناقلات صغيرة، هي الناقلات: شط العرب، وبغداد، المبنيتان لحساب العراق في كوريا بحمولة إجمالية تقدر بحوالي (13) ألف طن فقط لكل ناقلة، والناقلات: دجلة، والفرات المبنيتان في الصين لحساب العراق بحمولة (13) ألف طن لكل ناقلة. من المفارقات المحزنة في هذا الموضوع، أن أصغر السفن العراقية القديمة المتخصصة بنقل النفط الخام كانت تحمل (35000) طناً، بينما نجد أن أكبرها تحمل الآن (13) ألف طن فقط. أي أقل من نصف حمولة أصغر الناقلات القديمة. المفارقة الثانية تتمثل بتراجع الأسطول وانكماشه من حيث الحجوم ومن حيث الطاقات الاستيعابية، ومن حيث مديات الإبحار والموارد المالية المتحققة، وذلك بالمقارنة بين أداء الأسطول الحالي وأداء الأسطول القديم. المفارقة الثالثة تتمثل بانحسار مقومات النهوض بهذا الأسطول وتطويره. المفارقة الرابعة هي أن الأقطار غير النفطية صارت تمتلك الأساطيل الجبارة، أما المفارقة المؤلمة الخامسة فتتمثل بتخلف أسطولنا عن أساطيل الشركات العربية، التي ظهرت إلى الوجود في الثمانينيات والتسعينيات، لكنها تخطت حواجز المستحيل بتفوقها على الأساطيل الأوربية والأمريكية في الأداء المتميز وفي معايير السلامة والأمان. لا مجال للمقارنة بين أسطولنا الحالي وأسطول شركة ناقلات النفط الكويتية، الذي بلغت طاقته التحميلية حوالي (5789714) طناً، ويضم الآن حوالي (30) ناقلة حديثة عملاقة، نذكر منها الناقلات: الكوت، اليرموك، الدروازة، الفنطاس، الرقة، السالمي، أم العيش، دار سلوى، الجابرية 2، كاظمة 3، الشجايا، الصالحية، الدسمة، البنيدير، بحرة، وفرة، الهدايا، برقان، بوبيان، كيفان، عربية، الخ. أما الشركة السعودية التي تأسست عام 1978 فتمتلك الآن (23) ناقلة عملاقة للنفط الخام، و(24) ناقلة للمواد الكيماوية. صممت جميعها طبقاً لأعلى المقاييس العالمية، وقد تطورت هذه الشركة كثيراً من خلال سعيها المستمر للتوسع والنمو في مجال نقل الغاز المسال، وذلك بشرائها حصة تبلغ (30.3 %) من شركة بتروديك، وتعد العدة لتبوأ المركز العالمي العاشر.لا نريد استعراض مستويات الرقي والتطور التي أحرزتها البلدان العربية حتى الآن، لكننا نريد أن نقول: أن تطور قطاع ناقلات النفط العراقية، ومعدلاته المنخفضة لا تتوافق مع أهمية هذا القطاع، ولا ترقى إلى الوضع الاقتصادي للعراق على الصعيد الدولي والإقليمي، باعتباره أكبر منتج للبترول على مستوى العالم، كما أن حجم الاستثمارات فيه دون المستوى المطلوب. أما فيما يتعلق بمستوى الدعم الحكومي لهذا القطاع، فلا توجد استراتيجيات دقيقة وواضحة وممنهجة. تتبعها خطط تنفيذية للنهوض بصناعة النقل البحري في كافة نواحيها.نحن الآن في أمس الحاجة إلى تحديد ملامح رؤيتنا الوطنية الإستراتيجية، وتبني مبادرة جادة لتحويل هذه المرفق الاقتصادي الهام إلى كيان منتج وفاعل ومؤثر، يسهم في نقل صادرات العراق من النفط الخام ومشتقاته. لا يمكن أن نعيب على إدارة الشركة العامة لناقلات النفط العراقية، أو نوجه لها اللوم إطلاقاً، فالعقود المبرمة مع مكتب التسويق النفطي (سومو) لا تحقق الاستمرارية المطلوبة، وليس بمستوى الرعاية التي يتطلع إليها أسطولنا الوطني حتى يرتقي إلى مصاف أساطيل البلدان العربية المجاورة، ونرى ضرورة الإسراع منذ الآن ببناء مجاميع جديدة من الناقلات العملاقة، ومن ثم الإصرار على إشراكها في نقل حصة كبيرة من النفط العراقي المصدر إلى الخارج. لقد سارت الأقطار الخليجية على هذا المسار التسويقي منذ زمن بعيد، فضمنت الربح المجزي، وضمنت الإيرادات المالية الكبيرة، وضمنت القضاء على البطالة، وضمنت التوسع والامتداد في البحار والمحيطات. أن النهوض بقطاع ناقلات النفط يعتمد على ضرورة وجود مفهوم صحيح من قبل المسئولين حول دور وأهمية هذا القطاع، وما يترتب على ذلك من قواعد وأنظمة حديثة لإحداث نقلة نوعية في سبيل التطوير، ولا بد من توحيد المظلة الإدارية المشرفة على أعمال الإنتاج والبيع والتسويق والنقل، بحيث تصبح وزارة النفط هي الجهة المسؤولة. لقد أكملت الكويت خطط بناء أسطولها المكلف بنقل صادراتها النفطية إلى أسواق العالم، وذلك عقب تسلمها أحدث ناقلة نفطية عملاقة في ختام المرحلة الثالثة من خطط تحديث الأسطول ليصبح عدد ناقلاتها 30 ناقلة. تأتي هذه الخطوة في وقت يرتفع فيه إيجار وتأمين ناقلات النفط في العالم. وستباشر الكويت بتنفيذ المرحلة الرابعة من خطة التحديث عن طريق بناء 24 ناقلة مختلفة الأحجام والأغراض.
لقد توحدت الأقطار الخليجية في مشاريع تحديث أساطيلها وفقاً لاحتياجاتها الإستراتيجية، وتماشيّاً مع خطط زيادة إنتاج النفط، ناهيك عن احتياجاتها التسويقية في قطاع النقل البحري العالمي، واشتركت في تسخير طاقاتها المادية والتشغيلية والتطويرية من أجل النهوض بأساطيلها البحرية، وأسهمت هيئاتها التشريعية في سن القوانين وإطلاق التعليمات الصارمة لضمان الارتقاء بأساطيلها نحو الأفضل، فما أحوجنا الآن إلى تبني الخطط نفسها، والسير على المسارات الصحيحة التي سارت عليها البلدان الخليجية.

التعليقات معطلة