عمان –فيروز الغد خرّت لها الآذان.. فكان صوتها برداً على الشّام، وسلاماً لفلسطين».. كذلك أصاخت وبدون سابق إنذار أذنُ مستمعٍ عربي كاد أن يصمّها ضجيج طبول صُنّفت في زمنٍ عربيّ رديء أنّها تطريبيّة.
ينسابُ صوتها عذباً رقراقاً كمياه البلاد، يُغرق من يسمعه ويعود لينتشله حيّاً.. ربّما لم تسمع باسم «لارا عليّان» كثيراً، ولكن ما إن تسترق السّمع لغنائها فلن تنسى بعد اليوم هذا الاسم.
سوف يُقال مَن القوم عندما يُقال ماهي أغنيتهم بهذا الصوت القادم من وراء أكمّة فلسطين، ووراء هذه الأكمّة يصبح الصوت رصاصةً تنطلق من فوّهة بندقيّة درويش ومُريديه على امتداد عالمنا العربي.
ما بين أوتار حبالها الصّوتيةُ تطير حمائم السّلام، لتحطّ في آذان متذوّقي الفن الجميل، يكتب لها الشاعر الفلسطيني ابراهيم نصرالله رسائل حب للوطن «والرسالة مش ورق وحروف»، حسب مطلع أغنيتها «بكتب رسالة» من ألبومها الغنائي الأوّل الذي حمل اسم «حلوة» وكان اسماً على مسمّى، سيّما أنّها ابتعدت فيه عن الدّارج والسريع، وسرَحت في جماليّات الموروث الغنائي العربي.
تُغنّي للجارة الشاميّة التي أدماها الحزن منذ أكثر من أربع سنوات وما زال، وتقول في مطلع واحدة من أغانيها «قالوا تخيّر قلتُ الشام أختار.. وليس مثلي من بالشام يحتارُ.. قالوا هي الشام فقلتُ الشام أحصنةٌ من العقيق سَرَت في روحها النار.. لي وردتان وحقلٌ من مباسِمها، ودمعةٌ صرخت يا نارُ يانارُ.. كوني على الشام برداً».
وباسم الإله والشعوب والجبال والشوارع والمطر تصدح بالصّوت العذب، ومع كل إغفاءة تصيب عينيها العسلية أثناء إندماجها باللحن، تغنّي للبلاد المنذورة للحروب والمحن، مع الحرص على الجمع ما بين النص الأدبي الجميل والمستوى الفني المتقدّم في الأداء، تدعمه آلات التّخت الشرقي في أغلبية أغاني الألبوم، الذي تنوّعت لهجاته بين الفصحى واللبنانية والفلسطينيّة والمصريّة.
وقُل لي من شهدَ لك أقُل لكَ من أنت.. فجاءت شهادة الشاعر اللبناني الكبير طلال حيدر «إنّك ستكملين مسيرة فيروز» بمثابة صكّ تأكيد على ذهبيّة الصّوت وأصالته، يومها كانت لارا تغنّي على المسرح قصيدة «قومي طلعي عالبال» فأهداها حيدر القصيدة لشدّة ما أُعجِب بجمال صوتها.
منذ طلعة الشمس بسنينها الأولى بدأت غناءها، ولأنّ الثّورة تسري باللاشعور في الدّم الفلسطيني، كانت تغنّي لها في مدرستها معتليةً المنبر عسى أن يصل الصّوت من مدينة عمّان التي ترعرعت فيها لأبطال الانتفاضة في فلسطين حيث الموطن والأصل والبلد.
الفنانة المُولعة بالتراث العربي، لا تُخفِ انحيازها للتراث الغنائي الفلسطيني الحامل لهمّ القضيّة، هذا الغناء الذي كُتبَ عليه منذ أكثر من ستّين عاماً أن يكون حزيناً ووطنيّاً، لا تسعى للشهرة والمهم لديها إيصال رسالة الفن الملتزم لمتذوّقي الفن الأصيل، وتعتبر أنّ هؤلاء المتذوّقين في ازدياد، سيّما مع بروز عدد لا بأس منه من الفنانين العرب الذين أعادوا إحياء أغان تراثيّة بتوزيعات جديدة، مثل أغاني سيد درويش والشيخ إمام.
تقول لارا عليّان في تصريحات خاصّة لـ «القدس العربي» إنها «معنيّة أن تغنّي التراث العربي الغني، والتراث الفلسطيني المهدد بالطّمس من قِبَل الكيان الصهيوني، ومعنيّة بالغناء للوحدة العربية ولحق العودة والمقاومة، مع التّركيز على احترام المستمع بانتقاء الكلمة واللحن المميّز».
وعن وصفها بالفنانة الملتزمة، تعتبر أنّ جملة «فن ملتزم» هي جملة عليها خلاف لكنها تؤمن أنّ الفنان لا يُمكن أن يعيش بمعزل عن الظّروف المحيطة والأوضاع والقضايا في وطنه، وتضيف «أنا فنانة عربيّة فلسطينية وطني العربي يعاني من قضايا عديدة، نحن نتحدّث هنا عن احتلال، عن تدخّل أجنبي، عن فقر، وطائفية والكثير من القضايا، أنا معنيّة أن أتطرّق إلى هذه القضايا المُلحّة».
وترى الفنّانة أنّ الالتزام يكون أيضاً بانتقاء الكلمات التي تسمو بالنفس الإنسانيّة وتحرّك المشاعر النبيلة والابتعاد عن الإبتذال حتى عند الغناء للحب.
هذا الصّوت النسائي المتفرّد استطاع أن يصل إلى أهم العواصم العربيّة والأوروبيّة فمن فرنسا إلى النرويج فاسطنبول وقبرص وتونس، والجزائر وسوريا، لبنان ومصر أيضاً.. ولكنّه لم يستطع يوماً الوصول إلى موطنه فلسطين، ولكن رغم كلّ شيء تتمسّك عليّان بحقّ العودة إلى فلسطين، وتقول «هو حق مقدّس ولن نتنازل عنه، والمقاومة هي الطريق الحقيقي لفلسطين».
ما كان يوماً صوتها عورة بل ثورة حملتها في عُربها إلى حيث تُعزُّ الثورة أو تُذل، وبعد ربيع قومها كان لا بدُّ أن تُعَزّ الثورة، رغم أنّ الحاملين الأوّلين في عُربهم دفعوا ودفعت معهم أثماناً كان أبخسها تهميشهم الناعم وربّما الخشن من منابر العرب الإعلاميّة.

