Pdf copy 1

شاءت الأقدار أن يكون مصير الخليج العربي ملتصقاً بالحروب والمآسي والنكبات منذ عام 1980 وحتى يومنا هذا، فالحروب المنظورة التي حملت اسمه في متوالية التخريب والدمار. بدأت بحرب الخليج الأولى ثم الثانية فالثالثة، وعصفت بعواصم الشرق الأوسط. لكنها لم تقتصر على المعارك التقليدية، ولا على الأوكار الإرهابية المنبعثة من أوكار الشر في قطر، وربما تجاوزت تهديدات القواعد الحربية الأمريكية الجبارة، وأساطيلها العملاقة المنتشرة هذه الأيام في المسطحات المائية الممتدة من مصب شط العرب وحتى بوابة مضيق هرمز. 
ما يميز الحرب الجديدة المعلنة الآن ضد بلدان الخليج. إنها غير مرئية، وغير محسوبة العواقب، وليست لها توقيتات زمنية ثابتة، ولا محاور قتالية واضحة. العدو فيها مجهول، والمناورة فيها مرهقة. هجماتها مباغتة، وغاراتها مدمرة. خسائرها الفادحة تكلف أقطار مجلس التعاون مليار دولار سنوياً. تدفعها صاغرة من دون أن تلوح في الأفق أي مبادرة للحلول السلمية. 
ليست الأقطار الخليجية هي المستهدفة وحدها، بل العالم كله يخوضها مرغماً، ولسنا مبالغين إذا قلنا أن هجمات الحروب الجديدة، التي يطلقون عليها (حروب السايبر)، تتكرر من دون توقف بمعدل (18) هجمة مباشرة ومؤثرة في الثانية على الصعيد العالمي، وتكلف الولايات المتحدة وحدها حوالي (250) مليار دولار سنوياً.
في الحروب التقليدية تستطيع أن تتكهن بتحركات عدوك، وتستطيع أن تعرف عوامل القوة والضعف في تعزيزاته التعبوية، وربما تستطيع أن تحدد ساعة الصفر، وما يترتب عليها من توقيتات وتنبؤات. لكنك لن تستطيع أن تعرف من هو عدوك في حروب السايبر ؟. ولا تعرف متى يهجم ؟، وكيف يهجم ؟. فالغموض يخيم على ساحة المعركة الافتراضية التي تدور رحاها في شبكات الانترنت.     حرب افتراضية مرهقة، ليست فيها دبابات ولا صواريخ ولا جنود ولا خنادق ولا مواجهات دامية، لكنها قادرة على إلحاق أبشع الهزائم في بنوك الخصوم وخزائنهم المالية، وقد تؤدي إلى شل قدرات المؤسسات الخدمية وتعطيلها تماماً، فأقطار الخليج العربي تدفع الجزء الكبير من مواردها المالية من أجل صيانة دفاعاتها الالكترونية ضد هجمات السايبر. 
لقد تسببت إحدى هذه الهجمات في تعطيل عمليات الإقلاع والهبوط في مطار كاليفورنيا لساعات ثقيلة، ومن غير المستبعد أن تتسبب في تعطيل عمليات إنتاج وتصدير النفط والغاز في عموم الحقول العربية.
المثير للعجب أن معظم الأقطار الأوربية سارعت إلى تشكيل سلطاتها الوطنية المتخصصة بمواجهة هجمات السايبر، وعززتها بمجاميع من الخبراء وأصحاب المواهب الخارقة، بينما ظلت منظوماتنا العربية مقتصرة على أنظمة الدفاع الذاتي في شركات القطاع الخاص. ولا يمكن مقارنتها بالدفاعات الإسرائيلية، التي أصبحت في طليعة البلدان الرائدة عالمياً في شتى تطبيقات السايبر.

التعليقات معطلة