روزاليند مارْسدِن
بعد تجدد التعهدات الإقليمية والدولية، بدأ التوصل إلى اتفاق وشيك. ولكن الضغوط على جميع الأطراف، ربما تكون قادرة بعد على إفساد أحدث جهد لإنهاء الصراع.
بعد شهور من توقف محادثات السلام بقيادة الهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد)، تعاظمت الآمال في أن توفر آخر جولة من المحادثات في أديس أبابا، أفضل فرصة حتى الآن لإنهاء الصراع الدائر في جنوب السودان منذ 20 شهراً.
ولكن ما ظهر عند انتهاء الموعد النهائي في 17 أغسطس/ آب، لم يكن إلا اتفاقاً جزئياً، وجرى توقيعه من قبل زعيم المعارضة المسلحة، ريك ماشار، والأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان، باقان أموم- الذي أعيد تعيينه مؤخراً- بالنيابة عن المعتقلين السابقين.
ومما لا يبشر بالخير أن الرئيس سلفا كير لم يوقع، بيد أنه تم إقناعه من قبل الوسطاء، بأخذ 15 يوماً للتشاور.
والسؤالان الرئيسيان الآن هما، ما إذا كان كير سيعود إلى أديس أبابا خلال 15 يوماً ويوقع، وما إذا كان اتفاق السلام سيصمد، إذا حدث ذلك.
كان هنالك العديد من المؤشرات الإيجابية في الفترة التي سبقت الجولة الأخيرة من المحادثات، ومنها إطلاق ما سمي «إيغاد زائد»، وهو ائتلاف واسع من جهات دولية تشمل الهيئة الحكومية الدولية «إيغاد»، والأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وخمس دول إفريقية، والترويكا (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج)، والاتحاد الأوروبي والصين- التي اتفقت جميعاً على صياغة اتفاق سلام في جنوب السودان.
وفي 24 يوليو/ تموز، قدم ائتلاف «إيغاد زائد» للأطراف المعنية، مسودة اتفاق لتسوية سلمية، وأمهلها حتى 17 أغسطس/ آب للتوقيع على اتفاق نهائي.
ومع بقاء ما لا يزيد على 10% من القضايا عالقة بين الطرفين بعد المفاوضات، تركز حوار الدقيقة الأخيرة على جوانب التسوية في الاتفاق، مع زيادة الضغط على الأطراف المتحاربة لتوقع.
وقد أعطى التدخل الشخصي من قبل الرئيس أوباما أثناء زيارته للمنطقة الشهر الماضي، زخماً إضافياً لعملية السلام، مع التحذير من أن اتخاذ مزيد من الإجراءات التأديبية، بما فيها فرض عقوبات إضافية، وحظر أسلحة، والمزيد من التدخل الدولي، سيكون مطروحاً على الطاولة إذا بقيت الأطراف المتحاربة على عنادها.
وفي اجتماع قمة مع رؤساء دول «إيغاد» يومي 16 و17 أغسطس، ساد الاعتقاد بأن الأطراف غدت قريبة من التوافق في الآراء.ولكن ذلك بدأ ينهار في الساعات التي سبقت حفل التوقيع (في الوقت الذي شهد مغادرة الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، والرئيس السوداني، عمر البشير)، عندما أثارت الحكومة تحفظات مختلفة مرة أخرى.
ويبدو أن الرئيس «كير» تعرض لضغط قوي من المتشددين التابعين له في بحر الغزال، لكي لا يوقع.
وعلى الرغم من حث زعماء «إيغاد» له على التوقيع على الاتفاق، رفض أن يفعل أكثر من التوقيع عليه بالأحرف الأولى، كشاهد، والتعهد بإجراء المزيد من المشاورات.على الصعيد الداخلي، سيواجه كير ضغوطاً متضاربة.فالعديد من أصحاب المناصب العليا في الحكومة، يؤيدون الاتفاق، والأمين العام لحركة تحرير السودان الشعبية، قد وقع بالفعل.
كما دعا زعماء الكنيسة في جنوب السودان، إلى إنهاء فوري للقتال، ودانوا تناحر النخبة المنطلق من مصالح شخصية، بينما يتواصل قتل المدنيين الأبرياء.
ولكن هنالك متشددين أقوياء يخشون أن يهدد الاتفاق مصالحهم الشخصية ومناصبهم.
كما أن الاضطراب الذي يثيره انشقاق العديد من كبار جنرالات ماشار، قد يؤثر أيضاً في الحسابات.
ومن المؤكد أن الرئيس سيواجه ضغطاً دولياً وإقليمياً شديداً لكي يوقع، كما كان واضحاً من بيانات الاتحاد الإفريقي، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها من البيانات التي تليت في حفل التوقيع.
وسيعتمد الكثير على نوع النصيحة التي سيتلقاها كير من حليفه الوثيق، الرئيس موسيفيني، الذي حث الحكومة على وضع الطموحات الشخصية والغرور جانباً.ويقوم الاتفاق المعدل الذي نشرته «إيغاد»، على مقترح «إيغاد زائد» المتضمن وقف إطلاق النار، ودمج قوات الأمن خلال مدة 18 شهراً، وإنشاء حكومة وحدة وطنية مؤقتة لمدة 30 شهراً، تبقي على الرئيس كير في السلطة، وتعيد تعيين ماشار نائباً أول للرئيس.
وستكون حصة الحكومة في السلطة التنفيذية على المستوى الوطني، 53%، وحصة المعارضة 33%، وحصة المعتقلين السابقين، والأحزاب السياسية الأخرى 7% لكل منها، مع عتبة الثلثين لاتخاذ القرارات.
ولكن ذكر أن بعض الإصلاحات المهمة قد أجريت، ولا سيما على اقتراح نزع سلاح العاصمة الوطنية (تم إسقاط شرط وجود وحدة أمنية تابعة لطرف ثالث، بما في ذلك قوات تابعة للأمم المتحدة)، والترتيبات الأمنية (وأهمها إعادة تسمية الجيش الجديد باسم قوات الدفاع الوطني لجنوب السودان، وإعادة الجهات الأمنية غير الحكومية، بما فيها الجبهة الثورية السودانية، إلى الوطن)، وإجراءات تقاسم السلطة على مستوى الدولة، بحيث لا تحصل المعارضة بعد على حصة الأغلبية في السلطة التنفيذية في ولايات أعالي النيل الكبرى، المتأثرة بالصراع والغنية بالنفط، بل تحصل على حصة 15% في الولايات السبع الأخرى.
كما يتضمن الاتفاق أيضاً عدداً من بنود بناء السلام المهمة، المتعلقة بإصلاح المؤسسات، والمساءلة، والإدارة الاقتصادية والرقابة الدولية، على الرغم من أن تدخل الأمم المتحدة في المحكمة المختلطة، تم التخلي عنه.وحتى لو قيض لكير أن يوقع، فإن السؤال الرئيسي الذي يظل مطروحاً، هو ما إذا كان اتفاق السلام سيصمد.فهنالك عدد من العوامل التي قد تتضافر معاً لإفشال ذلك الاتفاق.
وحيث إنه لم يحظر على أحد الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، فمن المرجح أن تتسم الفترة الانتقالية بتنافس سياسي شديد.ولن يكون من السهل جعل الجميع يعملون معاً، حتى بوجود هيئة رقابية دولية، يفترض بها أن تتولى محاسبة الحكومة الانتقالية.كما ليس من الواضح كيف يمكن لتقرير اللجنة التي شكلها الاتحاد الإفريقي للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان أثناء الصراع، الذي لم يصدر بعد، أن يسهم في دعم هذا المزيج.والأهم الآن هو ما إذا كان أي اتفاق يتم التوصل إليه في أديس أبابا، يمهد السبيل أمام حوار وطني واسع النطاق، بين السودانيين الجنوبيين حول كيفية بناء سلام دائم، بما في ذلك الحاجة إلى مصالحة طويلة الأمد بين العامة.
ولكن الطريق لا يزال طويلاً، قبل أن يتبين ما إذا كان يمكن تطبيق هذه الخطة الأخيرة لوقف الصراع في نهاية المطاف.

