Pdf copy 1

علي حسن الفواز
ما يجري في العراق من وقائع جديدة يضع المشهد السياسي أمام الكثير من التساؤلات، مثلما أن ما يجري خارج العراق يضع الجميع أمام هواجس أكثر إثارة للجدل، فالتظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاح ومواجهة الفساد وسوء الخدمات تعبّر عن حاجات وطنية ملحة لتحسين أداء مؤسسات  الدولة، ولتعرية كل مظاهر الترهل والتشوه التي أغرقت البلاد بالعديد من الأزمات، بدءا من أزمة المحاصصة والمطالبة بالتوازن، مرورا بأزمة الخدمات وليس انتهاء بأزمة العجز الاقتصادي الذي يعني الإشهار بالإفلاس، وجرّ الدولة الى منطقة المديونيات المُلغَمة.
ما يجري خارج العراق لا يقلّ خطورة عن الداخل، فالمنطقة العربية تغلي بحروب مفتوحة، وتتسع لاصطفافات وخنادق طائفية وجماعاتية مهدِدة للسلم الأهلي العربي، مثلما أن مواقف العديد من الدول العربية إزاء العراق تتسم بالإرتياب، وخلط الأوراق، ووضع الحساسيات الطائفية تعويما للتعريف بالأزمات السياسية وبالصراعات التي تصطنعها هذه الدولة أو تلك، وكما هو حاصل في ليبيا ولبنان واليمن وسوريا. 
كما أن الولايات المتحدة الراعي الرسمي للحراك الأمني في الشرق الأوسط لم تحسم أمرها بعد في مواجهة الإرهاب الداعشي، وفي دعم الدولة العراقية بما يكفي لمواجهة التغويل المصطنع لرعب سيطرتها على جغرافيا سياسية معروفة، وبالرغم من وجود ما يسمى بـ(التحالف الدولي) ضد داعش، فإن الوقائع على الأرض تعكس وجود أجندات سياسية، وهواجس أمنية وسيناريوهات غامضة وراء المشهد الأمني في العراق وفي المنطقة.غياب وضوح الإجراءات الأمنية الأميركية يحمل معه سياسات أكثر غموضا، والتي كثيرا ما تتسرب من خلال تصريحات بعض السياسيين الأميركان، لا سيما ما يتعلق بالتلويح بسياسة تقسيم العراق، وأن مهمة مواجهة داعش طويلة، وتقطير المعونات العسكرية الستراتيجية الى القوات المسلحة، وبما يُبقي توازنات الصراع غير محسومة بالكامل، فضلا عن غموض العلاقات مع دول إقليمية وعربية لها مواقف معروفة من العملية السياسية في العراق، ودعم توجهاتها السياسية وتزويدها بالأسلحة الستراتيجية، وهو ما يعني وجود نوايا مريبة – حتى وإن أعلنت أميركا دعمها للحكومة العراقية – وتوجهات تغضّ الطرف عن دعم هذه الدول للجماعات الإرهابية في العراق، وتزويدها بالسلاح النوعي والمعلومات الاستخبارية، وحتى العمل على تشويه سمعة العملية السياسية في العراق عبر وسائل الإعلام، وفي العديد من المؤتمرات، أو حتى ممارسة بعض السياسات الداخلية والبينية التي تحمل معها الكثير من المظاهر الاستفزازية.هذه الوقائع الداخلية والخارجية تلتقي عند خط مجهول، وعند سياسات تحتاج للكثير من التوصيف، والكثير من الوضوح، فالاتفاقية الستراتيجة التي وقّعها العراق مع الولايات المتحدة بعد انسحاب القوات الأميركية تبدو وكأنها خارج التطبيق، كما ان ربط الحالة العراقية بطبيعة المشكلات في المنطقة، لا سيما مع الحالة الإيرانية يبدو هو الآخر مثارا للشكوك.. 
وبقطع النظر عن مواقف محلية تنطلق من هذه الجهة أو تلك، فإن الموقف الرسمي هو المقياس السياسي الذي ينبغي أن يكون حاكما في التعاطي مع الحالة العراقية، ومع دبلوماسيتها، والدفاع عنها وإسنادها في المحافل الدولية، ومنع تلك الدول من الإضرار بالعراق، لا سيما تركيا التي تتدخل في الشؤون العراقية وتمنع العراق من الحصول على حصته المائية، وتقوم قواتها بالاعتداء على الأراضي العراقية، كما أن دور المملكة السعودية وحملاتها الإعلامية الشوهاء وسياساتها الاستفزازية تضع علامات استفهام أمام الدور الأميركي في حماية العملية السياسية العراقية الجديدة.
إن تضخيم الوقائع خارج العراق تنعكس بشكل خطير على ما يجري في الداخل، وعلى برامج دعم العراق لحسم العديد من الملفات الضاغطة بدءا من ملف الإرهاب، وملف دعم العراق بالخبرات الفنية لتحسين مستوى أداء مؤسساته الخدماتية، وانتهاء بالدعم السياسي والاقتصادي والإسهام في تحريك عجلة الاستثمار عبر الشركات الأميركية، فضلا عن إسناد الدولة العراقية في سياق مواجهة الكثير من التحديات التي تعيشها المنطقة، والتي لا تجري بعيدا عن الكابينة
الأميركية.
ما يجري، وما تتضح صورته في الداخل، يضع الدولة العراقية أمام ضرورات البحث عن آليات جديدة، وعن خطط وبرامج لمعالجة مظاهر باتت خطورتها مرعبة، وباعثة على تكريس صور بشعة للفشل السياسي والاقتصادي.
ولعل سياسة الإصلاح التي عمد إليها رئيس مجلس الوزراء تتطلب وعيا ومسؤولية عقلانية، ورؤية عميقة لكل الأسباب التي أدّت الى إنتاج تلك المظاهر، والتعاطي المدروس مع معطياتها، وبما يتطلب خطوات واقعية ورصينة تكفل أية عملية حقيقية للتغيير والإصلاح، والشروع بإجراءات استشرافية تلامس المستقبل، وحاجة الدولة لبنيات تتقبل التأسيس والبناء.

التعليقات معطلة