ساطع راجي
مع تراكم الخيبات والشعور باليأس تنطلق المطالبات الشعبية في اتجاهات متعددة بلا دراسة ولا ضابط، مطالب تنطلق من مشاعر النقمة قبل احتكامها للواقع لأن الحراك الشعبي بلا قيادة ولا رؤية سياسية، وهو حراك يعتمد على غضب الناس ويريد احيانا تصعيد هذا الغضب بطرح مطالب غير واقعية تندرج بين رغبات بإلغاء مؤسسات دستورية ووصولا الى مطالبة رئيس الوزراء بالتخلي عن حزبه، وهذا المطلب الاخير تحديدا يجسد عاطفية الحراك وتشتته وافتقاده الى الرؤية السياسية الواضحة لأنه حراك يشعر بالتعالي على السياسة ويتحدث الكثير من نشطائه عن ضرورة الابتعاد عن التسييس والقيادات السياسية وحتى بعض التنظيمات التي تشارك بفعالية في الحراك والدعوة للتظاهرات وتنظيمها تحاول الاعلان عن وجودها ودورها عبر المخاتلة والايماء، لأنها تشعر بالقلق من الانقسام بين صفوف المتظاهرين.
مطالبة اي رئيس وزراء بالتخلي عن حزبه هو أشبه بدعوته للانتحار سياسيا او الاقدام على مغامرة تؤدي الى اخراجه نهائيا من السلطة او تقوده الى حكم فردي، لأن تخلي رئيس الوزراء عن حزبه يعني خروجه من جميع الاتفاقات السياسية ومنها تلك التي منحته منصبه، وهو بهذه الطريقة يتحول الى خصم لجميع الكتل النيابية وعندها سيواجه المؤسسة البرلمانية كلها التي سترفض تمرير قراراته والتشريعات التي يريدها لدعم عمله.
الساخطون الغاضبون سيقولون لرئيس الوزراء إن من الاسهل له الغاء البرلمان او تجاوزه، بهذه الطريقة ندخل مرحلة الحكم الفردي الذي يعني ان الجماهير من حقها ان تصفق فقط بشرط ارواء رغبتها في الانتقام والتحطيم لأنها لا تمتلك برنامجا ولا مطالب ثابتة ومحددة، هي تعرف ما ترفضه لكنها لا تعرف ما تريده بديلا.
الجماهير في حالة النشوة والغضب تنسى حتى التاريخ القريب وتتخيل أحداث لم تحصل أصلا، ومن ذلك مثلا ان الجماهير تنسى انها لم تختر رئيس الوزراء ولا يمكنها ان تفعل ذلك لأن العراق محكوم بنظام برلماني تختار فيه الكتل رئيس الوزراء، وان هذا الرئيس يكون بالدرجة الاولى مسؤولا امام هذه الكتل وهي من يحق لها دستوريا تغييره والاتيان ببديل عنه، القوى المتخفية وراء الحراك الشعبي ولا تعلن دورها المباشر تعرف هذه القاعدة السياسية لكنها تريد تناسيها وتأخذ معها جمهور المتظاهرين الى هذا النسيان.
ستبقى القوى الشعبية وجمهورها الغاضب في حالة فوضى مطلبية ما لم ترضخ لقانون التنظيم السياسي وتحديد مطالب واضحة تمهد لخوض المعترك الانتخابي خاصة وان الشعار الابرز للمتظاهرين هو «الدولة المدنية» وهي بالتأكيد ليست دولة انقلابية وحتى الدعم الشعبي لقرارات استثنائية سيقف لاحقا امام الاستحقاق الديمقراطي الذي سينتصر فيه الطرف الاكثر تنظيما، والطرف الاكثر قدرة على تحريك مشاعر جمهوره التقليدي.

