لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”| قرآن كريم
العدل أساس الملك مقدمة:
أصبح بعض القضاة يحجمون عن متابعة التحقيق ببعض القضايا الجنائية أو ذات الحجم الكبير في الفساد , نتيجة التهديد بالقتل , ومن يقف وراء ذلك التهديد أحزاب نافذة أو جماعات لها سطوة مجربة , أو علاقة بالمجاميع الإرهابية .
ومثل ذلك أصبح بعض ضباط الشرطة يحجمون عن المداهمات عندما تكون الجهة التي يراد مداهمتها ترسل رسائل تهديد ووعيد يصدقها وقوع من قاموا ببعض المداهمات تحت طائلة المساءلة القانونية بحجة وجود شكوى ضدهم أو أتهام بأخذ رشا بحيث لايمكن التخلص منها الا بعد تعرضهم للسجن والتنكيل وربما فقدان الوظيفة .وأصبحت بعض شركات المقاولات لاتستطيع أنجاز أعمالها بسبب اعتراض أصحاب الأراضي الذين لم يعجبهم تعويض الدولة , فيبدأوا بأعمال أستفزازية تجعل الشركة تتوقف أو تترك العمل مما يؤدي الى تعطيل حركة العمل والبناء . ويحدث مثل ذلك مع الجامعات أذا أرادت أن تعاقب طالبا نتيجة مخالفات قانونية لنظام الجامعة , كما يحدث مع مختلف دوائر الدولة أذا أرادت أن تعاقب موظفة أو موظف ضمن قانون الخدمة المدنية .أما قضية العقود وطريقة إحالتها , ففيها ما يشيب الرأس من هول المخالفات والفساد الذي لامثيل له ؟ ومخالفات للقانون بهذا الحجم , وفساد ضارب ألاطناب , يتوقع منه أن يكون منتشرا في كل مكان , من مكاتب ألآحزاب , والولاءات العشائرية الى السياسة والإعلام حتى لم تسلم منه الحياة الثقافية .والمثل الذي أردناه أن يكون كاشفا على نوع العقوبات غير القانونية التي يتعرض لها بعض المواطنين في دولة كتب لها دستور , يحرم المساس بحرية المواطن ومعتقده، ويمنع حجزه , أو حبسه , أو التحقيق معه الا بقانون وأمر قضائي , فالمادة ” 14″ من الدستور العراقي تنص على مساواة العراقيين أمام القانون , ولا يوجد قانون يسمح باجبار الموظف أو الطالب بالتوقيع كرها على الاستقالة المكتوبة والتي يحتفظ بها مسؤول الدائرة كورقة ضغط مستمرة لطرده متى يشاء المسؤول دون النظر الى مستقبل الموظف وعائلته, ومستقبل الطالب وتحصيله المهني والعلمي ؟
والمادة ” 15″ من الدستور العراقي تنص على حق العراقي في الحياة والامن والحرية ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق , الا وفقا للقانون وبقرار صادر عن جهة قضائية مختصة , ولا ندري كيف وبأي مجوز تقوم بعض الجهات الحكومية بالاعتداء على أمن وحرية المواطن بدون مجوز ومسوغ قانوني قضائي ؟
والمادة ” 16″ من الدستور العراقي تضمن تكافؤ الفرص للمواطنين , فكيف يجوز لبعض الدوائر حرمان الموظف أو الطالب من حق فرص التوظيف أو الدراسة لغرض بناء المستقبل .
والمادة ” 17″ في أولا , وثانيا , تنص على حق الخصوصية الشخصية وحق حرمة السكن الذي لايجوز دخوله أو تفتيشه الا بقرار قضائي , وبعض المواطنين والموظفين اليوم يتعرضون أحيانا للتهديد والمداهمة بالقوة دون وجود قرار قضائي. والمادة ” 19″ من الدستور العراقي في , ثانيا , وثالثا , ورابعا , وخامسا , وسادسا , كلها يتم التجاوز عليها بوضوح , ولا يحسب لها حساب في طريقة التحري , والمداهمة , أو توجيه التهم الجزافية , وطريقة التعامل أثناء الاحضار , والاستجواب , والتوقيف , أو الاحتجاز بدون مجوز قانوني بقرار قضائي , فمن ينتصر لمثل هؤلاء المواطنين , وأين مجلس النواب من هذه التجاوزات , وأين القضاء مما يحدث في وضح النهار ؟ وأين السلطات التنفيذية صاحبة القرار ؟
أكتفي بهذه المواد من الدستور العراقي والتي لها علاقة مباشرة بقضية أكراه الموظف أو الطالب على التوقيع على الاستقالة الخطية حتى تتمكن الجهة المسؤولة من التلاعب بحريته وأمنه , ومستقبله ,بعيدا عن روح القانون , ومفهوم العدالة التي أرادها الله تعالى أن تكون قاسما مشتركا بين الناس في مسائل الحكم والادارة , حتى تتحقق علاقات اجتماعية مبنية على المحبة والثقة والاطمئنان , وهذه جميعها هي من سمات التنمية البشرية في كل العصور، فأين نحن من ذلك في العراق , والى متى نبقى نميل الى مصالح المحاور والنخب , وننسى المواطن والوطن الذي أصبح مضربا للأمثال بالتخلف وغياب الصفة القانونية للدولة.

