Pdf copy 1

بروفيسور حسين علي حافظ
في هذا العصر نشهد، أولًا سوقًا عالمية مفتوحة تقودها الصين بوصفها أحد أهم مراكز الإنتاج والتجارة في العالم، وثانيًا بحرًا من المعلومات نتيجة الطفرات التكنولوجية المتسارعة وتطور الذكاء الاصطناعي، وثالثًا توسعًا في مفهوم التجارة الحرة حيث أصبحت الأبواب مشرعة أمام حركة السلع والخدمات، ومن المفترض أن تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تقليص دور السوق السوداء.
يمكن تعريف السوق السوداء ببساطة، بأنها مجموعة من التعاملات التجارية التي تفتقد إلى المعايير والضوابط القانونية والرقابية، وغالبًا ما تقدم منتجات رديئة أو غير مطابقة للمواصفات، وقد اختفت هذه الظاهرة إلى حد كبير في معظم دول العالم باستثناء بعض الأنشطة غير القانونية مثل تجارة السلاح والمخدرات.
لكن المؤسف أن السوق السوداء ما تزال في عدد من دول الشرق الأوسط صاحبة الكلمة العليا في كثير من الأحيان ، فبمجرد ظهور حاجة إلى منتج معين حتى وإن كان بسيطًا تسارع هذه السوق إلى احتكاره ثم تبدأ بالتلاعب بأسعاره ورفعها تدريجيًا، فضلًا عن غياب الضمانات المتعلقة بجودة المنتج ومواصفاته.
لقد وجهت السوق السوداء ضربات قوية للنظام الجمركي، وأثرت سلبًا في تحصيل ضريبة الدخل كما أضعفت قدرة المنتج المحلي على الصمود في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والمنافسة المتزايدة، أما المستهلك المسكين فلقد أصبح تحت ضغط الحاجة، أسيرًا لقانون العرض والطلب المشوه، فلا يجد أحيانًا خيارًا سوى اللجوء إلى السوق السوداء لتأمين ما يحتاجه.
عند النظر إلى العديد من الدول الأوروبية والآسيوية، نجد أن محاولات إنشاء سوق سوداء واسعة النطاق غالبًا ما تبوء بالفشل المدوي ، فالمستهلك يستطيع شراء ما يحتاجه من أي مكان في العالم عبر الإنترنت لتصل إليه السلعة إلى باب منزله بعد أن يدفع ثمنها ويحصل على فاتورته الرسمية، وكل ذلك من خلال جهاز الحاسوب أو الهاتف المحمول.
من الضروري الاعتراف بأن القضاء على السوق السوداء لن يحدث بين ليلة وضحاها، فهي ظاهرة متجذرة في بعض الاقتصادات منذ عقود، غير أن الحد من انتشارها يتطلب تقليص البيروقراطية في القطاعين التجاري والمالي، واعتماد مبادئ السوق المفتوحة والمنافسة العادلة وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين والتجار، وعندها ستتراجع السوق السوداء تدريجيًا حتى تتلاشى وتصبح جزءًا من الماضي.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *