Pdf copy 1

المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي
1. شرعية الانطلاق تحت عنوان: (البوصلة الاستراتيجية لمشروع المدونة السياسية لآل محمد).
يُعدّ التساؤل حول شرعية الانطلاق بمشروع سياسي تحت هذا العنوان، والخارطة التنموية المستهدفة، التساؤل الجوهري الذي يمسّ البوصلة الاستراتيجية للمشروع بأكمله، إن الإجابة على هذه التساؤلات هي التي تحدد بدقة شرعية الانطلاق، والهدف النهائي الذي تصبو إليه هذه مدرسة اهل البيت (عليهم السلام)، وبأعلى درجات القوة والثقة، نؤكد أنه يمكن، بل يجب للإنسان الواعي الانطلاق بهذا المشروع تحت هذا العنوان التاريخي والسيادي، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً: ضرورة كسر الاحتكار الفكري: فالساحة الفكرية المعاصرة غارقة في المدونات السياسية الغربية والشرقية (الرأسمالية، الماركسية، الليبرالية)، وطرح عنوان (المدونة السياسية لآل محمد) يُعيد وضع الفكر الشريف في موقعه الطبيعي كـ (مشروع حضاري عالمي بديل) وليس مجرد طقوس عبادية معزولة.
ثانياً: مسألة التأصيل والشرعية: فهذا العنوان يمنح مادة هذه مدرسة اهل البيت حصانة وهيبة علمية مستمدة مباشرة من منبع العصمة (القرآن والعترة)، مما يجعل الطرح فوق الشبهات والنزاعات الحزبية الضيقة.
ثالثاً: الحاجة الميدانية: فالواقع الإسلامي – والعراقي خصوصاً – يعاني من تخبط سياسي وإداري، والانطلاق بهذا العنوان يمثل (خطة الإنقاذ) القائمة على تأسيس العدالة العلوية.
2. خارطة المصلحة (بين الفرد والمجتمع).
يكمن السر التنموي والباطن العميق للمشروع في خارطة رسمناها تتحرك في مسارين متوازيين لخدمة (الواحد) و (كل المؤمن/ المواطن) معاً، بحيث لا تنفصل فيهما منفعة الفرد عن مصلحة الأمة، ولا مصلحة الأمة عن مصلحة الفرد.
وتُصمم الخارطة لتبدأ بـ (الواحد) تعليماً وتأديباً بالسيرة، وفقاً للقاعدة العلوية: (من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم).
لتصل في نهايتها التنموية إلى رفاهية واستقرار وأمن كل فرد، وحمايتهم من تلف الفساد والدولة العميقة الجائرة.
إن المسار الأول في الخارطة يستهدف منفعة الواحد (بناء الكادر القدوة)، حيث تُصمم لبناء الإنسان الصالح أو المسؤول الفرد (الواحد)، فتمنحه المنظومة الحمائية والردع الأخلاقي (كالورع، والحلم، والكفاءة، والرفق).
وإذا تعلم الواحد (سواء كان موظفاً، أو أستاذاً، أو طبيباً، أو قائداً شاباً) هذه المدونة، فإنه يتحول إلى عنصر نزيه يقاوم الفساد في دائرته ومؤسسته، ويبني باطنه الأخلاقي والعملي بشكل صحيح، فتكون مخارجه كلها صحيحة.
أما المسار الثاني فيستهدف منفعة كل مؤمن (بناء المجتمع الحصين ودولة الأمة)، حيث تركز الخارطة في بُعدها السياسي والاجتماعي على هندسة المجتمع الصالح (الكل المؤمن)، عبر قواعد التوزيع العادل للثروة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والوفاء بالعهود، وإدارة التنوع وحفظ السلم الأهلي.
ومن خلال هذا البناء، يتحول كل مؤمن (العامة من الأمة) من مجرد رعايا مستهلكين إلى أمة واعية ومراقبة تحمي منشآت الوطن، وتطالب بحقوقها، وتجبر السلطة التنفيذية على الاستقامة، استناداً إلى الحكمة العلوية: (إذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إلى الرعية حقها، عز الحق بينهم).
وبناءً عليه، يمكن تلخيص الخلاصة الاستراتيجية للمسار التنموي في أربع مراحل:
بناء الفرد ← تأهيل الكادر ← صون كل مؤمن ← تعزيز المجتمع.
3. الأبعاد السياسية (مِنْ أين، وفي أين، وإلى أين؟).
يمثل هذا التساؤل (الهندسة الجيوسياسية والتنموية) للمدونة، إن سبر أغوار الأبعاد السياسية عبر أسئلة المنطلق والميدان والغاية هو الذي يرفع هذا المشروع من مستوى النصوص التاريخية إلى مستوى (الخارطة السيادية التنافسية) التي تشرح حركة الدولة في باطنها وظاهرها.
فعلى صعيد منبع المشروعية (مِنْ أين؟)، وفي حين تبدأ السياسة في العلوم المعاصرة من (ميزان القوة) أو المصلحة النفعية البحتة (كمكيافيلية أو صراع طبقي أو عقد اجتماعي بشري قاصر)، تُستمد البوصلة هنا من أمانة الحق، والورع، والنظام الكوني الجامع القائم على العدالة الربانية. أما في ميدان المأسسة والعمارة (فِي أين؟)، ففي النظريات القديمة كانت السياسة تُمارس في قصور الحكام والبطانات الأرستقراطية (الخاصة)، بينما تُمارس في هذا المنهج في ميدان عمارة الأرض، والرفق بالعامة، وحماية الإقليم، ورعاية كافة مصالح المجتمع. وأخيراً، فيما يخص الغاية والمسار الحضاري (إلى أين؟)، تتحرك الأنظمة المعاصرة نحو غايات مادية بحتة كزيادة الناتج المحلي الإجمالي الجاف، أو بسط الهيمنة العسكرية والنفوذ الحزبي، حتى لو تآكلت كرامة الإنسان وأخلاقه. بينما تتجه هذه المدونة نحو كرامة الإنسان، مأسسة العدالة الناجزة، تحصين الأوطان، والاستقرار السيادي المستدام الذي ييأس معه مطامع الأعداء، ويحقق تلاحماً تاماً بين القمة والقاعدة، حيث عز الحق بينهم، ويئست مطامع الأعداء.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *