صادق كاظم
التورط السعودي في سوريا لا يزال يتصاعد من موقف الى آخر والاستعداد السعودي لإرسال 150 ألفا من المقاتلين الى سوريا يمثل ذروة التصعيد السعودي الذي يأتي في وقت حرج, بل في وقت يمثل منعطفا حاسما نحو توتير المشهد وربما جر المنطقة بأسرها نحو الحرب. الدعوة السعودية على الارجح ظاهرها الحرب على داعش, لكن باطنها إسقاط بشار الأسد، فالأحلام السعودية في إخضاع سوريا لهيمنتها ونفوذها قديمة وتعود الى عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود الذي نقل لحلفائه البريطانيين وقتها رغبته بضم سوريا الى مملكته الى جانب الأردن وتكوين مثلث سعودي أردني سوري يخدم بريطانيا ويحاصر مصر ويمنع اي تهديد لبريطانيا ومصالحها في المنطقة, لكن الانكليز الساعين لإرضاء أنجال الشريف حسين بعد خسارة ابيهم لعرشه في الحجاز رفضوا الفكرة ومنحوا بالمقابل الامير عبد الله بن علي امارة شرق الاردن لتكون حاجزا امام آل سعود للوصول الى سوريا وتهديد العراق, حيث يقيم فيصل بن الحسين عرشه هناك.
يرمي السعوديون الى تحقيق عدة اهداف في اشراك قواتهم بعملية برية مسنودة ومدعومة من قبل واشنطن اهمها تقديم السعودية على انها القوة الابرز في المنطقة والتي بإمكانها خوض مغامرات عسكرية في اكثر من مكان وفي اي وقت, إضافة إلى تحقيق موطئ قدم داخل الأراضي السورية يسمح لها بتطوير هذا الدور ليشمل لاحقا الزحف نحو دمشق وإسقاط حكم بشار ومنح السلطة لحلفاء الرياض وأصدقائها مما سيعني إسقاط المحور السوري الايراني الروسي ومحاصرة حزب الله في عقر داره اللبناني ومن ثم القضاء عليه عسكريا هناك.
المراقبون ينقسمون بشأن تقييم الخطوة السعودية ما بين اعتبارها محاولة إعلامية ليس إلا لا تتناسب مع الامكانيات الواقعية للدولة السعودية التي لا تملك جيوشا محترفة ومعروفة ببراعتها القتالية, خصوصا وان الجيش السعودي يعاني في اليمن ويواجه هزائم على يد الحوثيين الذين يخوضون ضده معارك عصابات لا تسمح للسعوديين بحسم المعركة مع علمنا بإمكانات اليمن الفقيرة عسكريا واقتصاديا, حيث انعدام السلاح الجوي والمدرعات والصواريخ والقوات الخاصة وبالرغم من ذلك فان تشكيلات الجيش اليمني الخاضعة لأمرة صالح وأصدقائه الحوثيين والتي نجحت حتى الآن في ارهاق السعودية وحلفائها وجعل المعركة تطول اكثر من اللازم, بل ان هناك احتلالا يمنيا لأراض سعودية وهذا يحصل لأول مرة في تاريخ النزاع بين البلدين, حيث يقف الجيش السعودي عاجزا عن استردادها.
السوريون وحلفاؤهم الايرانيون والروس بذلوا جهودا جبارة في الآونة الاخيرة من اجل حسم الموقف العسكري واسترداد المبادرة عبر تنسيق العمليات والهجمات التي استهدفت مواقع المعارضة السورية المسلحة وفي المناطق القريبة من الحدود التركية, حيث خزانات الدعم من الارهابيين والأسلحة التي تتدفق وبغزارة إلى معسكرات تلك الجماعات وبعمليات منظمة تديرها الاستخبارات التركية، وبالتالي فهم لن يسمحوا للسعودية بأن تأتي إلى سوريا وتقف الى جانب تلك التنظيمات المدعومة سعوديا وتهديد حكم الرئيس بشار الأسد، وأية عملية لمحاربة داعش وجبهة النصرة في سوريا لن تكتمل ما لم يوافق عليها الروس والإيرانيون، وهو أمر مستحيل في الحالة السعودية التي يعتبرها الايرانيون والروس دولة مساندة للتنظيمات والجماعات الإرهابية المسلحة وليست جادة بمحاربة الإرهاب المتطرف.
واشنطن التي تبنت ورعت المبادرة السعودية ودعت الى تشكيل تحالف اوسع يضم الى جانب السعودية عدة دول عربية وإسلامية اخرى ويكون تحت مظلتها ويدخل الى مناطق سيطرة داعش ويسهم في القضاء عليها، لن تقدم على تنفيذ هذه المبادرة ما لم تضمن موافقة الروس والإيرانيين عليها وتجنب تحول الارض السورية الى ميدان صراع بين حلفاء واشنطن وحلفاء موسكو, بل ان هناك تلميحا روسيا لواشنطن يسمح لها بالعمل في مناطق شرق سوريا فقط امتدادا من الرقة وصولا الى الحدود العراقية, حيث تنشط واشنطن بطائراتها وقواتها الخاصة هناك والإبقاء على العمليات الروسية والإيرانية والسورية في باقي المناطق السورية المحتلة.
التلويح السعودي بنشر قوات عسكرية في الاراضي السورية يمثل جزءا من مخطط يهدف لمحاصرة الروس وحلفائهم بالتعاون مع تركيا وإضعافهم وتمكين التنظيمات الحليفة للرياض وأنقرة من استعادة ما خسرته من مناطق وجعل بشار الاسد يغادر دمشق مرغما. هذه الخطة السعودية لا يقدر حكام الرياض خطورتها ولا تبعاتها, حين يقحمون انفسهم في منطقة لا يملكون القدرة والإمكانيات للسيطرة عليها, خصوصا مع تواضع امكانيات القوات السعودية المسلحة وعزوف الاتراك عن الدخول في مواجهة مباشرة مع الروس، وسيناريو دعم التشكيلات المعارضة المسلحة المدعومة من قبلها يعمل الروس وحلفاؤهم في سوريا على تقويضه عبر إحكام السيطرة على المناطق الحدودية المتاخمة لتركيا والأردن, حيث تأتي قوافل الدعم السعودية والقطرية والتركية المحملة مالا وأسلحة, ولكن بالمقابل يضغط الجيش السوري مدعوما بالطيران الروسي للسيطرة عليها وإغلاق تلك الممرات التي يعني بقاؤها مفتوحة استمرار الإرهاب وزيادة قدراته وربما تعريض الانجازات والمكاسب الميدانية الأخيرة إلى خطر الانتكاس.
الإعلان السعودي يأخذ طابعا إعلاميا أكثر منه كونه واقعيا والهدف الأساسي هو محاولة الزج بواشنطن في مواجهة مباشرة مع الروس في سوريا تعيد إلى الأذهان عملية عاصفة الصحراء خلال حرب الكويت عام 1991 وهو دور لا يريد الأميركيون الدخول فيه ويتجنبون أية محاولات تورطهم في المستنقع السوري وربما تفكر الرياض بخلط الأوراق حتى وصول مرشح جمهوري متشدد الى البيت الابيض تدعمه السعودية يحسم لها الميدان في سوريا ولكن على بحر من الجماجم والدماء.

