Pdf copy 1

عباس الكتبي
تحرير مدينة الفلوجة له دلالات ومعانٍ كثيرة، فبقدر ما يعني سحقا لـ(جمجمة) الارهاب والتكفير، فإنه يعني – أيضا – استعادة هيبة المؤسسة العسكرية، مثلما يعني تأصيلا لقوة الدولة ولقدرتها على مواجهة تحدياتٍ تمس جوهر وجودها الوطني. تأخر تحرير المدينة منذ أكثر من سنتين يرتبط بطبيعة المدينة الديموغرافية، وبدلالة ما تحمله من بُعد طائفي، فضلا عن تحوّلها الى منطقة رهانات سياسية داخلية واقليمية ودولية، فبعض القوى السياسية (السنّية) تعترض على المعالجة الأمنية لوجود “داعش” في المدينة، وتحت يافطة حماية المدنيين، واحتمال أنْ تأخذ المعركة طابعا طائفيا، ورغم التهديدات والتصريحات التي ظل يطلقها البعض من أصحاب (ساحات الاعتصامات) أو بعض سياسيي الأزمة، وبعض الموتورين طائفيا حول عجز القوات المسلحة والحشد الشعبي عن تحرير المدينة، فإن معطيات الأرض أكدت فاعلية الانتصار وجدية المؤسسة الأمنية على مواجهة هذه التحديات وتحقيق النصر في زمن قياسي في الحسابات العسكرية.
كما أنّ العديد من الدول العربية والإقليمية جعلت من مدينة الفلوجة ورقة ضغط سياسي وطائفي، وأخذت جهات رسمية واعلامية تطرح خطابا محشوا بالكراهية والتصعيد، وربما الدعوة الى التدخل العسكري، وحتى دعم الجماعات الارهابية داخل المدينة لوجستيا وعسكريا، ولعل ما تم الكشف عنه خلال عمليات التحرير يؤكد خطورة تحوّل المدينة الى (ترسانة) عسكرية ضخمة، ومعسكر لإيواء المئات من الارهابيين ومن جنسيات مختلفة. التحديات الدولية لتحرير مدينة الفلوجة كشفت عن مرجعيات تخص العقل المخابراتي الدولي، ونظرته لمعطيات الواقع السياسي والأمني في العراق، فطبيعة الصراع كشف عن وجود خنادق سياسية ومصالح تخص توازن القوى في المنطقة، وعلاقة الولايات المتحدة ببعض الدول العربية التي تدعم الجماعات الإرهابية، وتحت يافطة أن لا يكون الحسم طائفيا كما تدّعي هذه الدول، فإن تعويق أي إجراء عسكري يعني وضع الكثير من التعقيدات الأمنية أمام العملية السياسية العراقية، واخضاعها للعديد من الخيارات، والتي تعني تدخلا سافرا في سيادتها وفي اجراءاتها وفي خياراتها الوطنية.
لذا يكتسب تحرير المدينة وبهذه الجدية عن تغيرات في الواقع الدولي، وعن ادراك واقعي للولايات المتحدة بأن إبقاء هذه الخاصرة الأمنية خارج سيطرة الحكومة الوطنية سيكون خيارا غير واقعي، وغير مهني، وأنه سيكون مصدر تهديد دائم ليس لإفشال المشروع الاميركي بل لتوسيع مديات التهديد الذي تتعرض له المصالح الدولية في المنطقة، لا سيما بعد كشف الإرهاب الطائفي التكفيري عن شراهته للعنف في العراق والعديد من الدول العربية، وكذلك في أوروبا وأميركا ذاتها، ولعل حادثة مدينة اورلاندو الاخيرة دليل على خطورة أي تراخٍ في مواجهة الجماعات الارهابية.
 الإرهاب والوهم الطائفي كثيرا ما نسمع عن تعالق مدينة الفلوجة بالحساسية الطائفية، وأنّ الحلول المقترحة يمكن أن تكون داخلية، وعن طريق مرجعيات عشائرية أو صحوات، وهو ما كان يطلقه العديد من السياسيين والبرلمانيين وحتى البعض من أبناء محافظة الانبار، لكن مجريات الأمور وتعقيداتها، وتمدد “داعش” على الأرض، وفشل أي جهد داخلي لمواجهة هذه التعقيدات نسف كل الرهانات على معالجة الأزمة، وحتى الصياغة السياسية التي حاول البعض أن يطرحها، وبدعم اقليمي ودولي أثبتت فشلها وعدم جدواها، لا سيما مع وجود الكثير من مظاهر الفساد والتخندق والتهويل، وحتى التهديد بتقسيم العراق. كل هذه المعطيات أعطت حافزا حقيقيا للمواجهة، ودافعا واقعيا للقوى الدولية بضرورة معالجة أزمة الفلوجة أمنيا، مثلما هو الخيار الذي أكدته القوى الوطنية ذاتها، وعبر تآزر العديد من القوى الوطنية العسكرية والحشد الشعبي والحشد العشائري لفرض الحل الأمني بحساباته الوطنية، وبعيدا عن أوهام التوصيف الطائفي الذي يدافع عنه البعض، إذ جرت عملية تحرير المدينة بمهنية عالية، وبقدرات عسكرية أكدت قدرة القوات الأمنية والحشد الشعبي على كسب المعركة، واسقاط الرهانات والاوهام. 
إن تحوّل الجماعات التكفيرية الى قوة مضادة ومُهدِدة للعملية السياسية، ولمستقبل التعايش المجتمعي بين المكونات العراقية بات هو الخطر الأكبر، والثغرة التي تتسلل من خلالها كل قوى الإرهاب بدوافعها الطائفية والعُصابية، والتي بات تفرض واقعا على الأرض، ومن خلال العديد من المدن التي استباحتها “داعش”، والتي جعلت منها مجالا للإنطلاق والتهديد وارتكاب المزيد من الجرائم والتفجيرات ضد المدنيين.
إدراك خطورة هذ التحوّل فرض أسئلته في الواقع، إذ باتت هذه الأسئلة مجسّات لتلمّس خطورة الجرح الوطني، وفداحة أن تتضخم الجماعات الارهابية على حساب الفكرة الوطنية، لذا وجدت الكثير من القوى نفسها أمام هذا التحدي، وضرورة المواجهة، لأن السكوت عنه، يعني المزيد من الخراب والفقدان والموت المجاني، وكذلك المزيد من الأوهام التي يواصل إطلاقها البعض من صنّاع المزاج الطائفي، والذي سيكون مسوّغا لبعض الجهات السياسية والطائفية في المنطقة العربية لتصنيع المزيد من أدوات القتل والتخريب، والرهان على الجماعات الطائفية في تأجيج نار الفتنة، وفي احداث التقسيم المجتمعي وعلى أساس طائفي، وبما يجعل العراق منطقة أزمات وقوسا للجحيم. إنّ الانتصار في الميدان هو الرد على كل هذا، وهو المسار الواقعي الذي يجب أن يدرك حقائقه الجميع، فلا رهان إلّا على الوطن، وعلى الدولة، وإن شعارات التقسيم الطائفي، والقوة الطائفية والاحتماء بالخنادق الطائفية ما هي إلّا متاهات لا تؤدي سوى الى المزيد من الأوهام والتضليل والخداع، وهذا ما باتت القوى الدولية – ولو متأخرة – تدرك الكثير من معطياته، لأن التغافل عن طبائع هذه الأخطار سيؤدي الى المزيد من التمرغ في لعبة الأوحال.

التعليقات معطلة