د. نسرين اللحام
حققت سنغافورة نجاحات تنموية باهرة على الرغم من صغر حجمها، وصنف الاقتصاديون تجربتها التنموية على أنها معجزة، تماثل نجاح اقتصادات شرق آسيا، كاليابان وكوريا الجنوبية، وتايوان وهونج كونج، فسنغافورة جزيرة صغيرة، بلا موارد طبيعية على الإطلاق، وهي البلد الأصغر مساحة في جنوب شرق آسيا، وقد واجهت البلاد بعد الاستقلال الذي حصلت عليه عام 1965 العديد من المشكلات، كالبطالة وأزمة السكن والفساد الإداري والركود الاقتصادي غير أنه خلال أربعين عاما تحولت سنغافورة من جزيرة مليئة بالمشكلات والتناقضات إلي خامس أغني دولة في العالم، من حيث احتياطي العملة الصعبة الذي وصل إلي أكثر من 170 مليار دولار، وإلي كونها أكثر الدول استقرارا سياسيا في آسيا، طــــــبقا لدليل التنافسية العالمية.
ومن أسباب نجاح تجربة سنغافورة التنموية تبني سياسات الانفتاح التجاري والثقافي على العالم، واستغلال موقعها الجغرافي وتسهيل تدفق السلع والخدمات والموارد البشرية والمادية، وخفض مستويات البيروقراطية والفساد الإداري لمستويات متدنية، وقد ساعد صغر الحجم، وانخفاض تكلفة الخدمات الدفاعية في تحقيق نجاحات متميزة خلال فترة محدودة من الزمن.
ويكمن سر نجاح تجربة سنغافورة في قدرة قادة الدولة على تحقيق توافق بين سياسات بناء القدرات والمهارات، وبين الطلب على هذه المهارات من خلال نظام التعليم، في كل مرحلة من مراحل التنمية الاقتصادية، التى تمر بها الدولة.
هل كانتا منظومتا التعليم والقيم الأخلاقية هما السبب الرئيسي في نهضة سنغافورة الاقتصادية، الحديث عن التعليم في سنغافورة في حاجة إلي مؤلفات بعينها، لكن باختصار غير مخل نجحت هذه الجزيرة الصغيرة في إدخال نظام تعليم مبني على القدرات ويرتكز على الإبداع والبنية المؤسسية الابتكارية في جميع المراحل التعليمية، وذلك بهدف تطبيق رؤية التعليم “مدارس تفكر… مجتمع يتعلم”… ماذا عن المنظومة القيمية؟
يمارس أبناء المجتمع في سنغافورة، خاصة القيادات، منظومة قيم كان لها أكبر الأثر على نهضة سنغافورة، ويقول عالم الاجتماع “:بيتر بيرغر” أن سنغافورة ما كانت لتحقق ما حققته من انجازات، لو أن سكانها كانوا من أمريكا اللاتينية، بدل أن يكونوا صينين، في إشارة إلي القيم الكونفوشسية، التى يمارسها الصينيون، وإشارة إلي أهمية القيم والثقافة التى تحكم المجتمع وأثرها المحوري على أداء هذا المجتمع التنموي. وسنغافورة حكومة وأفرادا، تأثروا بالنظرة الكونفوشسية، التى تؤمن بأن الأسرة، وليس الفرد كما هو في الغرب الليبرالي، هي المرتكز الأول للمجتمع، وفي هذا تشترك الكونفوشسية مع رؤية الإسلام الذي يجعل الأسرة أساس المجتمع، مع مساحة من الحرية لفردية الإنسان عن غير تأصيل للأنانية الفردية التى تطغي على المجتمعات الغربية، والتى كان لها آثار سلبية على الأسرة واستقرارها ونموها.
وتسعي الدولة في سنغافورة لتعميق هذه الأهمية للأسرة، فعلي سبيل المثال إذا مرض شخص، فإن أول من يتكفل بمصاريف علاجه هم اقاربه، ولا تتدخل الدولة، إلا عندما تكون مدخرات هؤلاء الأقارب غير كافية لتغطية مصاريف العلاج، وكذلك الحال بالنسبة لإشراك العائلة في تكاليف التعليم.
وتطالب القيادة في سنغافورة شعوبها بالتقشف، وتقودهم في ذلك بأنها تكشف لمجتمعها عما حققته من إيرادات، وكيف أنفقتها، فقيادات الحزب الحاكم تتصف بالنزاهة والواقعية والمرونة.

