د. مظهر محمد صالح
في اليابان من سالب 176 بالمئة إلى موجب 119 بالمئة وتغيرت في المانيا من (موجب 198 بالمئة) صعوداً إلى (موجب 325 بالمئة ) وفي الصين من (سالب 42 بالمئة) إلى(موجب 86 بالمئة وهكذا تزامنت جهود بعض الاقتصادات التي شهدت معدلات ادخار عالية مع تعاظم نسبة المتقاعدين أو كبار السن في تركيب السكان لت صدم بقدرات استثمارية منخفضة يرافقها انخفاض حاد في نشاط المالية العامة ولجوء الشركات الكبرى إلى تبني ظاهرة الاكتناز النقدي السائل وشيوع اللامساواة )التي تجعل معظم الناتج المحلي الاجمالي في ايدي المدخرين الاغنياء( والتي أدت جميعها إلى تدهور معدلات الفائدة التوازنية اي معدلات الفائدة القادرة على جعل الادخار المرغوب يوازي الاستثمار المرغوب وبهذا فإن )الادخار الموجب العالي( الذي ساد في م ا رحل نقص الاستثمارات وتدني النمو الاقتصادي أخذ يتزامن مع معدلات فائدة حقيقية سالبة قصيرة الأجل يظهرها تعاظم المدخرات ويصاحبها ركود مستمر تتخبط فيه البلدان الغنية حتى اللحظة الركود الطويل والسياسة النقدية
-3 (من التيسير الكمي إلى نقود الهليكوبتر)
حتى العام 2009 لا يوجد من كان يعتقد أن معدلات الفائدة ستبقى قريبة من الصفر على مدار 6 سنوات، في وقت بلغت معدلات الفائدة الأوروبية مستويات سالبة في وقت عظمت فيه البنوك المركزية للبلدان الصناعية السبعة الكبار في توسيع ميزانيتها العمومية بإطلاق نحو 5 تريليونات دولار كإصدار نقدي اضافي. وبالرغم من ذلك استمر التضخم السنوي منخفضاً دون 2 بالمئة في الولايات المتحدة
وأوروبا واليابان وفي عشية الازمة المالية العالمية في 2008 ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الاجمالي بصورة حادة من 47 بالمئة إلى 70 بالمئة في الوقت الحاضر في أوروبا ومن 95 بالمئة إلى 126 بالمئة في اليابان، ومع ذلك استمرت معدلات الفائدة الطويلة الاجل )لعشر سنوات( منخفضة بشكل ملحوظ. ولم تزد الفائدة على السندات الامريكية الطويلة الاجل على 2 بالمئة. وحافظت تلك الفائدة الطويلة الاجل على نصف الواحد بالمئة في المانيا، واقل من 2 بالألف في اليابان حتى مطلع العام 2016 . وهو الامر الذي يؤكد أن التضخم السنوي ومعدلات الفائدةالحقيقية سيستمران منخفضين ولسنوات أخرى وعلى الرغم من على بدء الازمة المالية فان التعافي في الاقتصاد الامريكي ما زال هو الاخر بعيد المنال 7 سنوات وعلى الرغم من الامريكي ما ا زل هو الاخر بعيد المنال العودة الى المناخ الطبيعي مهما كانت الظروف ولا تتوقع الاسواق الطبيعي مهما كانت الظروف. تفسيرات كبيرة من مختلف الاقتصاديين عما يجري في الاقتصاد الراسمالي اليوم من مشكلات ركود مستمر حيث الاقتصادي (كينث روغوف ) عن ظاهرة الركود الطويل بالحديث عن نظرية ارهاق الديون ويتصدى روبرت غوردون لظاهرة الركود من زاوية نظرية مشكلات جانب العرض. أما رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي السابق للولايات المتحدة (بن بيرنانكي فيعزو الركود الى نظرية التخمة الادخارية في حين يجد بول كروكمان في نظرية فخ السيولة بكونها المفسر الوحيد للركود الطويل وبغض النظر عن هذا وذاك، وصحة جميع النظريات آنفاً، إلا أن نظرية الركود الطويل ما ا زلت تفسر الوضع الاقتصادي بشكل شامل وتستدعي الوصفة المناسبة للسياسة الاقتصادية المطلوبة للخروج من مأزق الركود نفسه. فمعدلات الفائدة تمثل سعر النقود الذي يتكيف لموازنة عرض الادخارات بالطلب على الاستثمارات؛ والفائض في الادخار يميل نحو سحب معدلات الفائدة نحو الأسفل والفائض في الطلب على الاستثمار يميل إلى سحب معدلات الفائدة نحو الأعلى. وباتباع ماتوصل إليه عالم الاقتصاد السويدي (ويكسل ) فان ما معدل الفائدة الحقيقي الذي يوازن بين الادخار المرغوب والاستثمار المرغوب في مرحلة الاستخدام الشامل هو سعر الفائدة الطبيعي أو سعر الفائدة المحايد فالركود الطويل يحدث عندما يكون سعر الفائدة الحقيقي منخفضاً إلى الدرجة التي لا تستطيع بموجبها من تأدية دورها على الرغم من ممارسة السياسة النقدية ما يسمى بالتيسير الكمي اذ تعد سياسة التيسير الكمي التي quantitative easing تعتمدها البنوك المركزية هي الملجأ المهم لفك الاقتصاد من أسر الركود عندما تتعطل أداة سعر الفائدة عن العمل كليةً. وهذا ما حصل في اليابان في تسعينيات القرن الماضي وغالبية البلدان الغربية في مطلع الألفية الثالثة. لذا فالتيسير الكمي هو محاولة التأثير )بكميات النقود/ أي التوسع بالإصدار النقدي( بدلا من استخدام سعر النقود في الاقتصاد ) اي الفائدة) وبالعودة الى التاريخ النقودي القريب فقد عد ملتن فريدمان من مدرسة شيكاغو في الاقتصاد بكونه اول من اطلق على السياسة النقدية التوسعية الجديدة بالنقود الطائرة السمتية في كتابه الموسوم الكمية المثلى للنقود 1969 Helicopter لمواجهة انخفاض معدلات الفائدة الى الصفرmoney إذ تقوم سياسة نقود الطائرة السمتية على مبدأ الاقراض المباشر إلى الجمهور من جانب السلطات النقدية. إن ما قام به البنك المركزي الياباني من مبادرة تمويل للموازنة العامة عن طريق الإصدار النقدي أو ما يسمى ) بتقييد قيد الموازنة( قد جاء من منطلق أن الجميع سيشعر أن هذه السيولة الجديدة المتاحة هي نهائية ولن تتكرر، مما يشجع على الانفاق وتجاوز فخ السيولةمن خلال ما يسمى )بأثر الثروة الموجب وتعد سياسة الطائرة السمتية بديلاًلسياسة التيسير الكمي المشار إليها آنفاً، وهي الوسيلة الفضلى لتعظيم الطلب الفعال،ولاسيما في فترة فخ السيولة واستمرار الركود وبلوغ البنوك المركزية مرحلة ما يسمى بالحدود الدنيا الصفرية للفائدة والتي أخذ البنك المركزي الياباني يعتمدها على سبيل المثال بهدف جعل عرض النقد بأعلى مستوى ممكن في المستقبل.
وهم يعتقدون بذلك ان النقد الاساس المصدر من البنك المركزي هو بمثابة أصول أو خصوم وليس مطلوبات Liabilitiesو الموجودات ASSeTS
ـ الخلاصة والاستنتاجات :
4 على الرغم من أن نسبة العاملين إلى المتقاعدين آخذة بالانحدار في معظم البلدان المتقدمة وكذلك في البلدان ذات الأسواق الناشئة، فإن ثمة تساؤل مهم: هل هناك حد للمدى الذي تبلغه الادخارات في ارتفاعها حتى يجري مقايضتها بالسلع والخدمات والانفاق من أجل الرفاهية؟ تشير الدراسات أن دورة الركود الطويل قد بدأت بالانحسار حقا وان معدلات الفائدة الحقيقية القصيرة الأجل قد أخذت تقترب من معدلاتها الموجبة. وبدأت اليابان في تصفية موجوداتها الأجنبية التي حاز الأف الافراد عليها خلال سنوات الادخار العالية وكذلك أخذت المانيا وكوريا الجنوبية والصين تحذو حذو اليابان في تصفية المدخرا ت الموظفة بأصول مالية شبه سائلة أجنبية ويلاحظ أن معدلات الفائدة قد بدأت بالتحرك نحو مستوياتها التوازنية في جعل الادخارات المرغوبة تساوي الاستثمارا ت المرغوب فيها
إذ يعتقد أن معدلات الفائدة هي كالزيت في ماكنة النظام المالي والتي تساعد على تدفق راس المال من مكان إلى آخر، وهو السبب الذي فسر كيف ظلت معدلات الفائدة موجبة طوال القرون الثلاثة الماضية على الرغم من الحروب العالمية والكساد الاقتصادي
فالنظام المالي الدولي لم يتم تصميمه ليتوافق مع معدلات فائدة سالبة كما تقول مجلة ذي إيكونومست اللندنية في عددها الصادر في 16 تموز 2016
لذا يتوقع في العام 2025 أن يتحقق التوازن التاريخي في الفائدة السنوية قصيرة الأجل حيث ستبلغ لامحالة قرابة موجب 3 بالمئة وسينتهي عندها الركود المستمر الذي يمثله تدني معدلات النمو الاقتصادي. وستتفكك آنذاك متلازمة الاقتصاد الرباعية المسببة للركود الطويل والمتمثلة بالآثار المتبادلة بين تركيب السكان وقوة التكنولوجيا وارتفاع الادخارات وسيادة الفائدة السالبة الحقيقية اللاتوازنية ختاماً، ربما ستتحقق نبوءة الاقتصادي جون مينارد كينز التي قالها في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي يوم كان العالم يتخبط في تشاؤمه من وقع الأزمة الاقتصادية العالمية آوثارها المسماة بأزمة الكساد العظيم إذ اظهر كينز تفاؤله وهوفي منتصف الطريق بين الكساد والثورة الاقتصادية مؤكد اً في مقاله الواسع في العام1930 الموسوم: (الامكانات الاقتصادية لأحفادنا) قائلاً بأننا سنترك الأحفاد أكثرغنى من أجدادهم ولكن المسار ليس خالِ من المخاطر !

