Placeholder

حماقات «المطيرﭼية» العرب

هذه حكاية مؤلمة عن التباين المزعج بين مطيرﭼية العراق ومطيرﭼية الخليج، فالعراقيون من هواة تربية الطيور والحمام الزاجل لا يحملون الضغائن لأقرانهم من أبناء دول الجوار و(خيرهم كافي شرهم). في حين تركت الأحقاد السياسية تداعياتها السلبية في نفوس مطيرﭼية الخليج، فانساقوا مع توجهات اعلامهم المعادي للعراق وأهله.
منذ أعوام وبينما كنت في عرض البحر. لاحت في الأفق حمامة مرهقة. ضلت طريقها نحو اليابسة بسبب تصاعد ذاريات الغبار القادم من شبه جزيرة الفاو، فشاهدتها تحوم حول السفن المبحرة. حتى خارت قواها لتسقط فوق السفينة التي كنت على ظهرها.
أمسكت بها ووفرت لها العناية، ثم قرأت أرقام الهواتف والعناوين المطبوعة على الحلقة المثبتة بأقدامها، وما أن رجعت إلى البصرة حتى اتصلت على الفور بمالكها الخليجي. قلت له: أبشر يا أخي، لقد عثرنا على حمامتك الثمينة، ونحن على أتم الاستعداد لإعادتها لك من دون مقابل. قال لي: أين هي الآن. قلت له: في البصرة. قال لي بلهجة خليجية متعالية: (خلي تولي). أي فلتذهب إلى الجحيم. قلت له: لماذا ؟. قال لأنها ارتكبت خيانة عظمى بوصولها إلى العراق، ولسنا بحاجة لها بعد الآن.
لم أرغب بالكتابة عن هذا الموضوع، لكنني وجدت نفسي مضطراً للحديث بعدما توسعت دوائر الفصل العنصري في سلوك المطيرﭼية العرب. كان آخرها الحادثة التي وقعت قبل بضعة أيام على ظهر سفينة تجارية مترددة على موانئ البصرة. إذ عثر ربانها، ذو القلب الطيب (سوري الجنسية)، على صقر خليجي مطوق بحجل رقمي، حملته الرياح العنيفة إلى مدخل شط العرب، فسقط مغشياً عليه فوق قمرة السفينة. قرأ الربان رقم الموبايل المسجل في الصفيحة الرقمية، وأتصل هاتفيا على مالك الصقر، واسمه (فايز).
سمعته يقول: أهلين فايز ؟. قال الخليجي: تفضل وش تبي (ماذا تريد). قال الربان: ابشر يا خيي وجدنا صقرك التائه. قال فايز: أين أنت الآن ؟. قال الربان: أنا في شط العرب – بين الفاو والبصرة). قال فايز: خلي يولي- ما أبيه (لا أريده). قال الربان: ليش يا عمي. قال فايز بعنجهية متشنجة: لأنه ارتكب خطأ فادحاً بلجوئه إلى العراق ووقوعه بيد مواطن سوري. توترت أعصاب الربان فرد عليه بغضب. قال له: لك يا عيب الشوم عليك، بس العتب عليَّ أنا لأني بحكي مع واحد تافه مثلك. ثم بادر إلى إطلاق سراح الطير الجارح وتحريره في الجو.
حتى الطيور يعاقبونها ويكسرون أجنحتها لأنها تحلق في سماء العراق، وهم الذين أقلعت من مطاراتهم كل القاصفات والراجمات التي دكت حصون مدننا في غاراتها اليومية المكثفة، فقلبت عاليها سافلها، وكانت مطاراتهم شاهدة على مسلسل التحليق والقصف الجوي المتواصل لغربان السوء. لقد تجحفلت على أرضهم أشرس القواعد الجوية المعادية للعراق وأوسعها، وما قواعد (العديد) و(السيلية) و(سنوبي) إلا أنموذجا حياً لتوجهات العقول الخليجية المشحونة بالحقد الأسود، والتي ما انفكت ترسل وطاويطها تحت جنح الظلام ليدمروا مدننا وينسفوا أسواقنا ومدارسنا بذرائع عدوانية لا تنتهي ووجوه لا تستحي.

Placeholder

تـبـاً لأصـدقـاء الـدواعـش

حينما يكون العراق مُستهدفاً يصبح الحياد خيانة والصمت تواطئاً. من هذا المنطلق تقضي مهمة الكاتب الوطني المخلص بوجوب تجنيد فكره وقلمه للذود بالدفاع عن وطنه وأهله، وتقضي بوجوب رصد المخططات والبرامج التآمرية وكشفها وفضحها وتحليلها والوقوف بوجهها من دون محاباة ولا موالاة لأي جهة خارجية تسيء للعراق وشعبه، وهكذا كانت لنا مواقف شجاعة وجريئة ضد توجهات دول الجوار من دون استثناء. وكنا نحرص أشد الحرص على التمسك بوحدة الموضوع حتى لا نشتت أذهان القراء، وحتى لا نخلط الأوراق المتطايرة في الفضاءات السياسية المتداخلة.
لقد كنت في مقدمة الذين وقفوا ضد تركيا وإيران عندما قطعت شرايين الأنهار والروافد التي تسقي حقول وادي الرافدين، وفي طليعة الذين شجبوا الزحوفات البحرية الكويتية والإيرانية، ووقفت تحت قبة البرلمان عام 2010 للتنديد بها وتوضيح نتائجها المؤثرة علينا، وكتبت أشهر مؤلفاتي التي تناولت فيها تلك التجاوزات الحدودية من كافة أبعادها الملاحية والجغرافية والتاريخية والسياسية والتشريعية، وخير مثال على ذلك كتابي الوثائقي الجريء (عراق بلا سواحل) الذي نشرته عام 2013 وصار من أقوى المراجع الجيوبولتيكية في المكتبة العربية.
ربما يظن القارئ الكريم أنني أعيش في الخارج وامتلك الحرية المطلقة للتعبير عن مواقفي الوطنية من دون أن أخشى أحد، فأنا لم أغادر العراق منذ عام 2003، ومازلت أسكن في قلب مدينة البصرة. يعزى سر هذه الشجاعة إلى تمسكي بكلمة الحق، ووقوفي على أرض صلبة. لأنها أرض الأنبياء والأوصياء والأئمة والقادة العظام، فالعراق أقوم البلدان قبلة وأعذبها دجلة وأقدمها تفصيلاً وجملة.
لكنني فوجئت بفئات مريبة من المتحالفين سراً مع الدواعش والمناصرين لهم. فوجئت بامتعاضهم من كتاباتي التي تكشف خسة الدواعش ونذالتهم، فما أن نستنكر جرائمهم ونشجب مجازرهم ضد أشقائنا المسيحيين والأيزيديين حتى يعترضوا علينا، ويطالبوننا بشجب مواقف إيران على الرغم من أنها لم تكن طرفاً في المجازر المسيحية، وما أن نقف مع ضحايا أهلنا من عشيرة البونمر حتى يعترضوا علينا بذرائع لا تمت للموضوع بصلة، وما أن نرصد التواطؤ التركي مع الدواعش حتى يطالبوننا بالتعريض بالمواقف الإيرانية المناوئة لتركيا والتشهير بها، وكأنما صارت إيران هي الشماعة الوحيدة التي ينبغي أن نعلق عليها كل كوارثنا ومصائبنا ونكباتنا، أو كأنما صارت تركيا هي الحمل الوديع الذي يسرح ويمرح في حدائقنا الشمالية.
لقد فقد هؤلاء ضمائرهم، ونزعوا الرحمة من قلوبهم، وأعمتهم الطائفية البغيضة، فتجاهلوا مسلسل الجرائم البشعة التي ارتكبتها داعش في سوريا والعراق، والتي خالفت فيها كل الشرائع والقيم السماوية، وانتهكت فيها الأعراف الإنسانية، ولا فرق هنا بين المتظاهرين بالمواقف الوطنية، وبين التكفيريين المروجين لثقافة الموت والدمار.
ربما لا يستطيع هؤلاء البوح بولائهم لداعش، لكنهم فضحوا أنفسهم عندما ظهروا على حقيقتهم بتغافلهم السافر عن المصيبة الكبرى، التي وقعت فوق رؤوس المسيحيين والأيزيديين. حتى الفضائيات التي لم تعلن وقوفها صراحة مع الدواعش تعمدت تضليل الناس والتشويش عليهم، حتى لا يروا ما فعلته داعش في القرى المسيحية، وحتى لا ينتبهوا إلى ما يفعله بنا الغجر المرتبطون بقطر. ألا لعنة الله عليهم وعلى كل العملاء والمنافقين والمتآمرين والمتلونين، وتباً لأعداء الشعب العراقي كافة من صغيرهم إلى كبيرهم.

Placeholder

كنائس بلا نواقيس

لم يشترك المسيحيون في الفتنة الطائفية المتفجرة في العراق، ولم يكونوا طرفاً في النزاع السياسي القائم، ولم ينهبوا ثروات العراق، ولم يخربوا العراق، ولم يطمعوا في حكم العراق، ولم يتجسسوا على العراق، ولم يتواطأوا مع القوات التي غزت العراق وسرقت ثرواته، ولا مع القوى الإقليمية العابثة والمحرضة والحاقدة.
ظل المسيحيون منذ قرون وقرون وحتى يومنا هذا من أقوى رموز المحبة والسلام على أرض العراق. وأقوى رموز الوطنية الصادقة، وأقوى رموز التحضر والرقي، وعلامة فارقة من علامات الانتماء الحقيقي لبلاد ما بين النهرين بجذورهم الآشورية والكلدانية والسريانية والأكدية والبابلية، فلم تشفع لهم إنسانيتهم ولا وطنيتهم ولا براءتهم ولا نزاهتهم ولا عفتهم ولا استقامتهم في التمتع بأبسط حقوق العيش بأمان على الأرض التي ينتمون، فكان القتل والتعذيب والطرد والتهجير والتشريد والابتزاز من نصيبهم.
ظهرت داعش فجأة من أوكار المنظمات الظلامية لتنسف التاريخ المسيحي للعراق بذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية على الطريقة المغولية، وبذريعة القضاء على المشركين من المسيحيين والأيزيديين على الطريقة النازية. في الوقت الذي تعالت فيها الصيحات التحريضية من أقبية الصوامع المؤمنة بثقافة الموت، فلاذ المثقفون والمفكرون بالصمت المطبق، وتجاهلت الفضائيات المحلية والإقليمية والعالمية ما حل بهم من مجازر ومآس وكوارث لم تخطر على بال هولاكو ولا على بال جنكيزخان. واكتفى الفاتيكان بالسكوت من دون أن يقرع ناقوساً واحداُ يوقظ به الضمائر المعطوبة.
كانت أمريكا في مقدمة البلدان التي سلمت رقابهم لسيوف الدواعش، وكانت تركيا وقطر والغجر في مقدمة المؤيدين لحملات الإبادة الجماعية، وكانت البلدان العربية في طليعة المصفقين لحملات تهديم كنائسهم وحرق أديرتهم.
ألا يحق لنا أن نتساءل: لماذا يسكت العالم على المأساة الإنسانية التي لحقت بالمسيحيين في العراق ؟، ولما يسكت على تهجيرهم وانتهاك كنائسهم وتحويلها إلا مقار وثكنات للقتلة والسفلة ؟، ما الذي يجري في العراق ؟. لماذا وقف زعماء العالم كالصم والبكم متفرجين حول ما يجري من تطهير عرقي بحق المسيحيين في هذا البلد ؟. أيعقل أنهم يتذكرون باستمرار المحارق والمجازر على مر التاريخ ويتناسون ما يحصل اليوم أمام أعينها ؟. ألا يرون أن الوضع أخطر بكثير مما يبدو.
لقد ترك المسيحيون بيوتهم وتنازلوا صاغرين عن ممتلكاتهم ونزحوا مذعورين من قراهم على غير هدى هربا وخوفا من بطش الضباع الداعشية المتعطشة لدماء الأبرياء. الكنائس كلها أغلقت أبوابها في المناطق الساخنة، وفر القساوسة والرهبان بحثا عن الملاذ الآمن، بينما اكتفت حكومات كوكب الأرض كلها بالوقوف على التل لمراقبة المأساة وكأنها لم تسمع صراخ النساء وعويل الأطفال في الكهوف الجبلية الباردة.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

Placeholder

النظر للبكاء

نحتاج أحيانا الابتعاد عن الشيء لكي نراه ..وقد يكون للابتعاد الزمني مثل هذا ..فالغائب عن المريض يرى تغيراته أفضل من مرافقيه ..ويتفاجأ الأقارب بتغير الطفل الذي غابوا عنه …والمبتعد والغائب عن العراق يصدمه وضع مجتمع ما بعد الاحتلال …
ولا يكاد يتعرف عليه …فأين تلك العلاقات الودودة والتواصل الحميم والسهرات التي تخلو من حديث التفجيرات والتهجيرات والتزويرات وأعمال النهب؟؟ كانوا يتواصلون ويتفاعلون وكأن غريزتهم الاجتماعية بمناسيب اعلى من بقية البشر …فكانوا يقولون ان العراقي سمكة وماؤها المجتمع …إلا انه انتهى الى ما يشبه العزلة …
وفقدت لقاءاته حرارتها وطعمها وهناءتها ..وبدت وكأنها أداء واجب لا استجابة لنداء قلب والى إرضاء حر للغريزة الاجتماعية ..
وعندما أنحى العراقي المغترب باللائمة على النخبة المثقفة وأبدى استغرابه وامتعاضه من تواصل بعض المبدعين النفعي… وأين غادرت الصداقة والإعجاب الشديد والزيارات العائلية بينهم؟؟ تبخرت جميعها مع تغير الظروف والمصالح ؟؟
كان الرد على هذا المغترب الزائران غربته وابتعاده قد وفرت له من جانب أن يرى ما فعلته السياسة في المجتمع وبما صدمه ,الا ان هذه الغربة والابتعاد الطويل قد عزلته عن الإرهاصات والاحتدامات والشقاء الذي فعل فعله …وانه اذا كان العراقي سمكة ماؤها الجو العام او المجتمع فان الفساد قد افسد المناخ والجو العام وعكر الماء حتى ليتساءل المرء كيف للسمك ان يعيش في هذا الآسن ؟؟؟ ويحق للمراقب الاجتماعي ان يرى المعجزة في مجرد استمرار العراقي في أداء الشكليات الاجتماعية …
ومعرفة أعماق ومشاعر العراقي وما آلت اليه نفسيته ونظرته للحياة تدفع البليد والقاسي للبكاء ..ولكن لا يمكن لهذا الباكي ان يكون من بين الطائفيين والفاسدين واللصوص … واغلب الظن انه لو لم يكن الأمر كله برنامجا امريكيا لحزن العالم وبكى على مصير مجتمع هو وريث أولى واكبر الحضارات والذي عاش عائلة لأكثر من ستة آلاف عام …ربما كان القصد الأمريكي تقديم درس عملي للبشرية ان ما هو اخطر من اسلحة الدمار الشامل هو اشتغال غير الموهوبين ..والجهلة والمتعصبين والطائفيين في السياسة وتصديهم للحكم …. باستثناء الثملين بالهبة الأمريكية فان العراقيين يرزحون تحت غيمة من الهم والتشاؤم ,وفقدوا البهجة ونسوها وابتعد عنهم الفرح ,والفرح جماعي ,والمجتمع يتنفس إفرازات وزفير الفاسدين والعدوانيين …وغاية أحلامه لا البهجة والفرح بل النجاة بجلده في بلد يقبله لاجئا.

Placeholder

سر بغداد

لا اعرف جوابا لذلك السر الذي يشدني إلى بغداد ،ويجعلني مسكونا بها حد الدهشة ، لا أكاد أفارقها لحظة حتى أعيشها عمرا ، أشمها وأتذوقها وانا أسوح في دروبها وحاراتها ومقاهيها وأسواقها و»درابينها «العتيقة ،جسورها وشواطئها ،جوامعها ومراقد الصحابة والأولياء فيها ،مثل جوال يعرض بضاعته ،ربما لأنها بنظري بكل مافيها ولها ليست مدينة فحسب، بل هي صدى الروح وأكثر ، وهي مسرح الوجود،على مر السنيين والحقب ، اذ لم تبخل علي يوما وأعطتني ما احتاج ، أرصفة حملت خطاي حتى اشتد عودي ،وملاعب علمتني الركض إلى أمام بقوة ،وأصدقاء لهم رائحة العنبر العراقي ،وغيرة ابن العشائر العربية ونخوتهم الأصيلة وبساطتهم وطهارة قلوبهم ، ومدارس يديرها قادة في العلم والأخلاق ،آباء لنا قبل ان يكونوا مربين فضلاء .
وهذه المدينة في تعددها،أطيافا وشواخص حضارية تاريخية ومعاصرة ، هناك من يراها اليوم عجوز شاخت وأصبحت هشة ، ضعيفة الذاكرة ، الهزال يأكل جسدها ، وأسنانها تتساقط ، تهذر وتهذي بلغة غير مفهومة ، فينكرها ويفرمنها هاربا وثمة من يريدها باسمة ضاحكة على الدوام وكأنها ليست بلحم ودم وقد عانت ماعانت من تطاول المتطاولين وإرهاب الإرهابيين ، و»مقاولي» الزمن الأغبر من اكلي السحت الحرام .
مدينة نسجت من الأسرار الكثير ،عاشت أمجادها كما شهدت انكساراتها ، عرفت الفرح ،ولكن الحزن لم يفارق ضلوعها ، كم من غاز وقف على أسوارها وأهدر دم أبنائها وأشعل نيران حقده عليها دمارا وخرابا ،لكنها مثل طائر العنقاء الأسطوري تخرج من الرماد وتنفض الغبار وتعاود الوقوف على أقدامها تعيد البناء وتواصل حياتها .
لن أنكر أن جراحها كانت عميقة وموجعة وان وقع دموعها لم يجف بعد ، ولكننا سنبقى نتمسك بخيوط الأمل رغم بشاعة الموت وكلنا ثقة ان بغداد ستعود أكثر بهاء والقا لتعاود دورها مركز اشعاع ونور يستقطب العالم وتفتح ذراعيها لكل ابنائها الذين غادروها طواعية او مرغمين .
فبغداد مجد وعنفوان والق وشموخ وستبقى رغم جراح الأعداء وحقد الحاقدين قوية الإرادة مرفوعة الرأس شامخة كنخيلها بكبرياء .

Placeholder

كـائـن عـائـلـي..

ثمة من يعرف العراقي بأنه كائن عائلي، وعائلته وبيته مركز ومعنى حياته، ولا مأساة كالتي تبعده عن عائلته، والأكيد انه يمر اليوم بأكبر مآسي حياته وهو مشرد في المنافي والمهاجر وأصقاع اللجوء، فهو متناثر في اغلب دول العالم ويتطلع باقون كثيرون للفرار من البطالة ومن جحيم التفجيرات والابتزاز والتهديد ومن وجوه بليدة صدقت أنها تصلح للسياسة ولقيادة المجتمع، وان الفرار لمرارة وانتحار ولا مأساة اكبر من الابتعاد عن العائلة.
هل واجه رجال في الدولة واقعة هذا التشتت للعائلة العراقية وتشردها؟؟ بين رجال السياسة من تجرع تلك المرارة وعانى ابتعاده عن عائلته وتضرع الى الله ألا يذيقها لعدوه، إلا ان المشتتين قد تضاعفوا وعرفتهم أصقاع قصية من الأرض وعانت من نحيبهم وحنبنهم لعوائلهم وأماكن ذكرياتهم، وثمة من علقت عينه بالسماء يسأل: اما لهذا الشقاء من آخر؟؟ وإذا نضبت الرحمة من سياسيين أين رحمة السماء تشمل العراقيين؟
دول العالم تزيد من صعوباتها أمام طلبات لجوء العراقيين، وحتى اقليم كردستان اضطر لمثل هذه الصعوبات نظرا للزخم الكبير من جموع المهجرين ومختاري العيش هناك بدل اوربا، وماذا بعد؟ والى متى؟ وهل يبقى في معاناة بأكثر مواضعه حساسية وبكونه الكائن العائلي؟
يمكن معرفة ظروف ومزايا دول العالم ومدى إمكانية التفكير بالهجرة إليها في حافلات نقل الركاب والمقاهي والتجمعات، ويبدو العراق بشاغل واحد، الفرار من الجحيم وان خسر عائلته، والعائلة بدورها تقنع نفسها بان فراق احدهم افضل من موته ومن العيش في ظل فساد قياسي وسياسيين لا يعرفون كيف يتصالحون مع عوائلهم فكيف يوفقون بين مصالح بشر متعارضة؟
رجل الدولة الذي لا يشعر بمسؤوليته عن الكلب الأجرب في بلده ليس برجل دولة، وقد وجدنا في عراق ما بعد الاحتلال من لا يعبأ بغير نفسه والمثابرة على نهب الثروات ، وبدل ان يعمد لبرامج تثقيف وتطوير وتنوير وإقامة عائلة عراقيــــة عمد لتمزيقها بعناوين طائفية وعشائرية ومناطقية وشرعنة المحاصصة والمغانمة وكل ما يناقض شروط ومقومات الدولة المدنية وبما افرز وخلق أجواء الجحيم لطرد المواطن من بيته واللهــــــاث بحثا عن الهجرة، حتى قال من قال، ان لوعة العائلة العراقية على نفسها هي التي ستزعزع الأرض.

Placeholder

متى نتعلم في مدرسة الحسين ؟

أين نحن من كل ما قدمه الشرفاء عبر التاريخ، أين نحن من تضحيات الحسين، الذي دفع دمه ودم أهل بيته الكرام ثمنا لحريتنا واستقلالنا؟.
فيا من تريدون فهم الحسين، وعطاء الحسين، وتعشقون نور الحسين، وتهيمون بعلياء الحسين، افتحوا أمام عقولكم مسارب الانطلاق إلى عوالم الحسين، واكسحوا من حياتكم تراكمات الزيف السياسي المقيت، وحرّروا أرواحكم من ثقل التيه في الكهوف المعتمة، عند ذلك تنفتح أمامكم دنيا الحسين، وتتجلى الرؤية، وتسمو النظرة، ويفيض العطاء، فأعظم بإنسان, جدّه محمد سيد المرسلين، وأبوه علي بطل الإسلام الخالد، وسيد الأوصياء، وأمه الزهراء فاطمة سيدة نساء العالمين، وأخوه السبط الحسن ريحانة الرسول، نسب مشرق وضّاء، ببيت زكي طهور.
اشهد انك يا سيدي كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بانجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها. كانت رسالتك يا سيدي رسالة السلام والحب والخير لبني البشر بعيدا عن العنف والإخضاع والتفرقة والتمييز. فقد كنت حريصا على إصلاح الفاسد من أمور المسلمين، وتقديم جميع الحلول الممكنة بعيدا عن التطرف والتعصب.
ما أحوجنا يا سيدي إلى إدراك معاني كلمتك التي قلت فيها: (أحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا كأوليائه)، وقلت في هذا (أيها الناس تنافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم)، وكم كنت محقا حينما قلت: (أيها الناس لقد خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. فتذكروا دوماً هدفي ومبدئي)، وقلت: (اللهم انك تعلم أنه لم يكن ما كان منا منافسة في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنُريَ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسنن أحكامك).
تعلمتُ من نهضتك وثورتك انتصار النفس المطمئنة على النفس الأمارة،
وتيقنتُ أني لا استغني عنكَ يا سيدي. تعلمتُ منك أن أتدبر القرآن ومعانيه وأهدافه، وأتمسك بمدرسة الحق والهدى ولا أتخلى عنها، وأن أدافع عن عقيدتي وأخلاقي بالعلم والمعرفة والجهاد الأول لنفسي.
أنت يا سيدي تعيش في ضمير كل محروم ومظلوم في أرجاء المعمورة، وليس في عقول وضمائر المسلمين وحدهم، لأنك جسدت إرادة الخير والعدل والمساواة بين الناس. بعيدا عن انتمائهم وأحسابهم وأنسابهم، وكانت رسالتك في عاشوراء قائمة على أبعاد سلمية تتخذ من وسائل اللا عنف طريقا لنشر الهداية والرحمة، ومبنية على الاستقامة وإصلاح ذات البين، وتحقيق الحرية والعدالة، بما ينسجم مع رسالة المحبة والسلام، فما أحوجنا اليوم يا سيدي إلى العمل بوصيتك التي قلت فيها : (أأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وإلا ليسلطن الله عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وقلت: (ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه). فكانت دعوة الانطلاق إلى كربلاء أن (افشوا العدل في الناس فهم عبيد الله وانتم مثلهم). ما أعدلك يا سيدي حينما قلت لأنصارك في واقعة الطف: (اكره أن أبدأهم بقتال قط). فسلوك اللاعنف الذي تمسكت به هو مصداق، وامتداد واقعي لرسالة الإنسانية، فالإسلام يحرم الغدر، وينبذ كل ما يسمى اليوم بالعنف والإرهاب، فلا عنف في الإسلام، ولا يسمح الإسلام بأي عمل من أعمال العنف والترهيب والترويع الذي يوجب إيذاء الناس ومصادرة حرياتهم، وإزهاق أرواحهم، وتعذيبهم والغدر بهم وبحياتهم، أو يؤدي إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين.

Placeholder

تركيا تعشق داعش

لم يعد لتركيا ما تخفيه خلف أقنعتها الأناضولية المُستَهلَكة، خصوصاً بعدما فشلت محاولاتها الحثيثة للجلوس على طاولة أقطار الاتحاد الأوربي. ثم جاء المد الأردوغاني ليدق آخر الخوازيق في جدران العلاقات الأوربية، ويُغرق سفنه الدبلوماسية التي حاولت عبور مضيق البوسفور نحو الضفة الغربية لاسطنبول. الأمر الذي اضطرها إلى إحياء أحلامها التوسعية بالعودة إلى ولايات الإمبراطورية العثمانية. فركبت بغال التطرف الديني لإشعال فتيل الأزمات مدفوعة الثمن. وكانت هي اللاعب الأكثر خُبثاً في تأجيج الفوضى الأمنية والسياسية في عواصم البلدان العربية الجمهورية، بينما كانت العواصم العربية الملكية والأميرية بمنأى عن الخراب والدمار.
لم تتدخل تركيا في شؤوننا منذ سقوط صولجان الرجل المريض وحتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى عرش الأستانة، فتحالفت مع المتحالفين على العراق، واشتركت معهم بضرب بغداد، ثم أرسلت قواتها البرية والجوية والمخابراتية لتصول وتجول في جبال العراق ووديانه بذريعة مطاردة فلول حزب العمال، ووضعت ثكناتها الحربية في خدمة التنظيمات الهمجية المتطرفة، وفتحت حدودها لمرتزقة داعش، ووفرت لهم الغطاء الجوي، وسمحت لهم بقتل الناس بالجملة، بل سمحت لهم بقتل المدنيين الأتراك في القرى التركمانية العراقية والسورية، واشتركت مع داعش في نهب ثرواتنا النفطية، وهي الآن أكبر الرابحين من السوق السوداء للنفط الذي تسرقه عصابات داعش من حقولنا.
ثم جاء اليوم الذي عرف فيه العالم حقيقة المخططات التخريبية التركية، عندما ظهرت بوادر موافقاتها الرسمية لافتتاح سفارة داعشية في أنقرة، وافتتاح قنصليات لها في المدن القريبة من الحدود السورية والعراقية. جاء ذلك على لسان صحيفة (إدينلك ديلي) التركية، التي كشفت النوايا الادروغانية لافتتاح أول قنصلية لداعش لإصدار تأشيرات الدخول للراغبين بتدمير العراق والشام، وقد أطلقت القنصلية الداعشية بتركيا موقعاً الكترونياً لها على شبكة الإنترنت. أعلنت فيه أن من يرغب الحصول على تأشيرة يمكنه إرسال طلبه إلى البريد الإلكتروني
(isisturkey@gmail.com)، وأن عنوان مقر القنصلية الرسمي يقع في حي كانكايا التركي بأنقرة.
فوقع أردوغان في شر أعماله المتناقضة بين دوره الحربي في الناتو وتظاهره بمطاردة داعش، وبين إصراره على تقديم الدعم المطلق للتنظيمات الشاذة التي قتلت الناس في العراق وسوريا والبلدان العربية الأخرى. فأصبحت تركيا من البلدان الراعية للإرهاب بإيوائها الأوكار الإرهابية. وبناء عليه يتعين على العالم المتحضر أن يتعامل معها بحزم باعتبارها من الأقطار المراوغة الراعية للإرهاب. نظرا لدعمها المتواصل للتنظيمات الشيطانية، التي ارتكبت أبشع مجازرها الدموية في المدن العراقية والسورية، وحوّلت الانتفاضات العربية الشعبية إلى كوارث ونكبات بكل المقاييس.

Placeholder

عصفور السلطة… غراب

عبارة (كل هؤلاء قتلوا الرجل) تكاد تساوي عبارة (لا أحد قتل هذا الرجل) … وبرع الأجداد في نجدة القاتل, وانقاذه من الإدانة والقصاص, بتوزيع دم الضحية على القبائل والعشائر وإضاعته بينها .. وبما يسهل استمرارية القتل .. تفتق عقل الأحفاد عن تطوير وتوسيع هذه الممارسة, وتعميقها…
ربما عن غير قصد واضح لإضاعة دم القتيل، بل إطاعة لطبع, وانقيادا لميلول أن منطق ومسار الأحداث أفضى لاجتماع القبضات في قبضة واحدة تمسك بالسكين .. والاهم أن الغنيمة تعشي العيون والقلوب…
وتنتقل اللقمة إلى غيرها التي تحدث عنها الإمام والتي يغص بها أكلها.. فهذه اللقمة يهنأ ويمرأ أكلها.. انها السلطة.. العراق هذه المرة هو القتيل, وهو المغنم, وهو اللقمة المريئة, وقد تظاهرت وتساندت وتعاهدت عليه كل العشائر والقبائل السياسية وقتلته وأضاعت دمه بين قوائم الكراسي وأرصدة البنوك… السباق والتهافت والإمساك بطرف من (الكيكة) وخطف من المائدة وان كان من الفضلات خير من الخسارة.. فالفرق بين اخذ شيء وعدم أخذه هو الفرق بين حياة وثيرة وبين موت بالغ البؤس..
هذا السباق والتهافت مع اليقين الذاتي بعدم الجدارة وعدم الاستحقاق.. والريبة المرافقة لهذا الواقع قد طوح بالعراق إلى مصير غير مسبوق في الفساد والتمزّق وطول الوقت والتشويه الشنيع وبأعصاب باردة للمقدس.. ولم تعد لقمة الإمام لتخنق أكلها.. وما عاد (التقاة) يتوجهون إلى السلطة (على عمى عيونهم) وعلى غير رضاهم..
فللوقت (منطقه وضروراته) وهكذا تقدم العراق قوائم العالم في الفقر والجوع والأمية واليتامى.. لو توفرت الثقة والنيّة الطيبة, والجامع على الحق, ولو تذكر الساسة انه لا أكثر إرهاقا واعياء من العراقي, ويثير شفقة حتى الضباع… وانه لا أبشع من الحالم بكرسي من عظام يقيمه في مقبرة…
لو أنهم كانوا صادقين في شعورهم بحال شعبهم لوجدوا الطريق إليه وإنقاذه… ولما أخذتهم قاعدة العصفور في اليد والإمساك بالمنصب لا السعي للخدمة..
ولتنازلوا.. وليتقدم من يعمل ويضحي ويتعهد بالإنقاذ.. ويتحمل النتيجة… ليتقدم أي طرف ويتحمل المسؤولية…لا قطف المنصب… ويتهيأ لتقديم كشفه وحسابه في نهاية فرصته…
هذه ليست شركة.. هذا عراك وقتال للاقتسام ونهب ما يمكن نهبه بعنوان (محترم) لم يتركوا فيه ذرة من احترام… وتأكد مرة أخرى ان بعض العراقيين من فصيلة القطط لا يصلحون لتشكيل فريق..
لا لأن كل واحد فيهم سيد نفسه ويشكل وحده فريقا, بل لأنه عبد جوعه, وأسير تصوراته وثقافته الضحلة.. ولأنه من الإدقاع واليأس ونقص الكبرياء يريد شيئا بيده ولا يرى حشد العصافير على الشجرة..
لينفرد في القرار أي طرف, أغلبية أو أقلية.. وليفتخر بنجاحه ان نجح وليطالب بتاج النور.. والمجد… أو ليضع المشنقة في عنقه ويتكلل بالعار هو وأفكاره وشعاراته ومن يقف خلفه…

Placeholder

الثورة على مرارة الخديعة

ـ 1 ـ
يقال ان «داعش» تتحوّل كل يوم من حدث غامض جاء في غفلة من الزمن الى ثقب أسود يبتلع زمناً عربياً كاملاً.لان الصلة بين الحاكم والمحكوم أكلها الصدأ وتهرأت، ولهذا رفرفت أعلام «الخليفة البغدادي». ليتم ادخالنا في ظلاماً عبثيا جديدا.قامت خلاله « دولة الخرافة». ولكن ثمة من تساءل اين ذهبت القيادات والقوات والآليات في الموصل وجوارها من مدننا…؟ ولماذا انهارت البنية الأساسية بتلك السرعة المثيرة للرعب؟لندخل في عصر الظلمات بعتمة اقسى واشد لبربرية معاصرة لم يعرف لها التاريخ مثلا . لقد شكل التردد والفساد وغياب الرؤية فضلا عن الزعامات الكارتونية والصمت المريب ومضغ الشعارات الرنانة اختيارا دفعنا فيه ثمنا باهضا في تربع الغزاة الإرهابيين على بعض أراضينا .
فالطبقة السياسية كانت تعيش بالمؤقت وتعالج الموقف بأقراص مخدرة . الامر الذي جعل المسافات تتسع والهوة تزداد عمقا . لتصبح السلطة مجرد أكذوبة معلقة على مقاعد وقبضات تلوح في فراغ هائل. بينما أنياب كائنات منقرضة تنهش بنا بنهم وشراسة .
هذه فضيحة، جريمة … لكنهم لا يخجلون منها… ولا من الاعتراف.بها ، لا خجل… لأنهم يلبسون وجوه من الصفيح ، ولانهم لايرون في الوطن سوى فندقا وحقيبة مال يغادرون بها ساعة يشاءون ،فثمة من هادن وثمة من خاف ، وثمة من تواطؤ.ولا احد لليوم قدم لحساب او سئل عما جرى ؟!!.فماجرى جرى ؟!.
-2-
اكتشفنا بعد حزيران الفجيعة واقع الأجهزة التي تترك مهمتها في الأمن والحماية وتتضخم لتحكم او لتبتلع الدولة كلها… اكتشفنا ضعفها وركاكتها وأنها تستمد قوتها من شعورنا بالضعف والهوان والاستسلام للذل والمهانة.
اكتشفنا أن جهاز ألأمن ليس قوياً الا بتفاهات من عصور بدائية تكسر الروح» من أين اتيت ، ولمن ذاهب « ،كما اكتشفنا ان حجم الداعمين بالمال والسلاح والإعلام والتدريب والتخطيط كان كبيرا ولا نستثي منه بعض دول الجوار العربية واللاعربية .
-3-
ويقال :ان داعش لن تهزمها جيوش عربية أو تحالفات دولية بقدر ما سيغلق حولها الدائرة مجتمع يدافع عن وجوده… «يصحو من نومه المضطرب تحت سطوة سلطة أرادت أن يطول النوم إلى الأبد.»..نعم حددنا المسار وكسرنا سلسلة التراجع ،ثرنا على مرارة الخديعة والهزيمة وبيع ارض الوطن وفتحنا بوابات التطوع واتحدنا مع صوت الله واكبر وحملنا راية الجهاد الكفائي التي اطلقته المرجعية لنعيد التوازن ولنوقف الانهيارات ولنقاتل كما الصحابة من اجل وطن موحد أرضا وإنسانا ،وهاهي اليوم بشارة النصر تترى تزف انباء التحرير منطقة بعد أخرى حتى نكنس كل عصابات داعش ونقبرهم ونقبر كل أحلامهم المريضة.