بعض النجاحات تأتي وسط توفر شروط موضوعية وحشد للإمكانات وبما يمنع من وصفها بالانجازات أو بالإضافات الاستثنائية ، لأنها تحققت في سياق ظروف اعتيادية ، لكن بعضها الآخر يمكن أن تكون تجارب يشار لها بالبنان وتستحق الثناء والتقدير ، وضمن هذا النوع من النجاحات يمكن تأشير ما حققه الرئيس العراقي جلال طالباني ، فالرجل وصل إلى سدة الرئاسة في العراق وسط ظرف تاريخي بالغ الدقة وفي ظروف يقول عنها المتفائلون: إنها في مستويات خطرة جدا من الحراجة .

وكان على مام جلال ان يسخر إمكاناته في لم شمل الفسيفساء العراقي الخارج توا من تجربة أوصلته إلى حافة الاحتراب الداخلي والتي هددت بتشظي العراق وتحوله إلى دويلات أحياء ، وقرر الرجل المسير في حقول الألغام مدفوعا بشعور وطني فريد وبحس عالي للمسؤولية ، ولم تقعده تداعيات السنين ولا ملمات المرض عن أداء هذا الدور الذي تنوء تحت ضغوطاته العصبة من أولي العزم .

ووسط الضجيج الهادر كان هدوء مام جلال علامة فارقة شكلت إضاءة أمل مؤكدا في ظلام التداعيات ومسيرة الدم والدموع والضحايا التي قدر للعراقيين أن يجتازوها في طريقهم نحو غد أفضل ، وكانت السمة الثانية الوطنية العراقية الأصيلة للرجل وتقديمه الصالح العام لشعب العراق على قناعاته الشخصية وعلى أهداف وأماني ناضل من اجلها لمدة تناهز النصف قرن ، تحمل خلالها الآلام والمعاناة وقدم خلالها التضحيات دون أن يمن على أحد من الناس ، ودون ان يقدم كشف حساب ليطالب من بعده باقتناص الفوائد ومراكمتها ، فالرجل الذي يفخر بأنه احد دراويش الجواهري ، دخل السياسية بقلب شاعر ومارس السلطة بمشاعر إنسان ، فكان العراقي ، الكردي الذي يدافع عن حق الناس في كل مكان بفرص متكافئة للحياة ، وكان النساج الذي أعاد وصل قطع الفسيفساء العراقي بعد أن كادت تصل إلى مرحلة التشظي ، فكان بحق رجلا استثنائيا في زمن استثنائي ، وكانت نجاحاته انجازات لا يحسبها لنفسه ، لكن التأريخ سيسطرها له في سفره لتكون جزءا من نتاج حضارة لا بل حضارات العراق .

التعليقات معطلة