ليس هو كلام يقال من اجل المجاملة، أو هو سرد في أحاديث تجري على عواهنها، أو هي هواء في شبك، والمعاني فيها باهتة كأوراق أشجار الاسكيمو، بل هي الحقيقة ورودها تأكيد لواقع وتكريس لقناعات وتأسيس لمواقف وعناوين لرأي ثابت عايشني وعايشته منذ أن كان الخوض فيه والبوح عنه يسبب صداع مستديم بأقل الافتراضات ضررا وبأسوأها ألما ووجعاً.اذكر هنا أن لي صديقا في أربيل لا اعرف ان كان يرضى أن اذكر اسمه أو لا.. بعث لي برسالة في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بيد شخص يثق به، يخبرني فيها بأشياء كثيرة عنه وعن أوضاع كردستان ويذكر انه الآن في أتم الصحة والعافية والفضل يرجع بعد الله لابن اخ لي هاجر الى اربيل وفتح عيادة له هناك ونال من خلالها الشهرة والسمعة الطيبة وقال انه وجد لديه العلم والدراية والمعرفة والمفهومية، وانه تعرف عليه وعرفه بنفسه، وطلب منه أن لا يتردد في مراجعته بأي شيء يحتاجه مؤكدا له: انه عمٌ له تماما لا فرق بيني وبينه ثم أخذ يعتذر عن انقطاعه فترة عن الكتابة لي مؤكدا أنه يدرك تماما حراجة موقفي في الوقت الحاضر ثم يقول: “اعرف انك تشبه المثل القائل “مكروهة وجابت بنت” أي المرأة المكروهة من قبل زوجها وولدت له بنتا” وأوضح : “أنت شيعي” وفي نفس الوقت فأنت “تحب الأكراد” وتتعاطف معهم وقدمت لهم أشياء كثيرة ومهمة ليس في وسع الأكراد نسيانها او تجاهلها فقلمك بالنسبة لنا معين لا ينضب في الإخوة الحقيقية والإنسانية السامية والوطنية الصادقة إلينا!! 

أضحكتني الرسالة وأفرحتني، رغم أنها سببت التوتر والانزعاج لزوجتي التي راحت تضرب أخماسا بأسداس حول ما إذا كان “الكاكه” الذي حمل الرسالة لي، نزيها وليس “خطا مائلا” غير أني تركتها لهمومها التي فيها شيء من الواقعية، وانصرفت اذكر أياما جميلة عشناها معاً قضيناها في سفوح وذرى جبال أربيل والسليمانية ودهوك حيث اكلت لاول مرة “الجوز” الأخضر وعرفت كيف اميز بين “جوز” شقلاوة وفي غيرها وأدمنت على عسل الجبال ولبن أربيل الذي كان يأتيني منه بين حين واخر “قدر” مملوء حتى تجمعت لدي منها عدد كبير ورفض أخذها فاستفادت منها أمي رحمها الله في طبخ “قيمة” الحسين في عاشوراء.

 اعود لأصل الموضوع الذي اتناول فيه العلاقة بين الاكراد والعرب في العراق على وجه الخصوص وبالتحديد وصلب التأكيد على هذه العلاقة التي ضاعت او كادت تضيع مع الأسف حقائقها وتوصيفاتها وكينونتها وسط ضجيج وهوس العابثين المغامرين الذين وصلوا الى مقاليد السلطة والتسلط بالقوة فأساءوا اكثر من مرة لأنفسهم أولا ولبلدهم ولمكوناته فضاعت قواعد وأسس وحيثيات العلاقة التي أصلا، أساس التكوين وجوهر الصيرورة، بدونها لا تنهض الثوابت ولا يكون البتة أي وجود منفتح باتجاه التطور والرقي وهو أن الوقت قد حان الآن وليس غدا، لمناقشة هادئة وموضوعية لهذه القضية.

لقد ضاعت سدى تلك الحقيقة طوال عشرات السنين تحت اطنان من الكذب والتزوير والتلفيق الذي أسهم في بناء معتقدات وأوهام وظنون وشكوك لها أول وليس لها آخر، ورغم أن هناك الكثيرين على طرفي الواقع، حاولوا بجهد واجتهاد طوال الوقت ان يزيلوا “صواعق” التفجيرات، واذابة ما علق بأذهان الجميع هنا او هناك بظنون وتصورات وتخيلات وافتراضات، بيد أن الفشل كان يتسلل عبر فجوات وشبابيك وابواب وثقوب، عملت منذ زمن بعيد، وظلت تفعل فعل مرض “الكساح” مدمر غير انه ليس مميتا.

اذكر مرة دار بيني وبين صحفي فرنسي مختص بشؤون الشرق الأوسط ويعمل في جريدة “اليغيغارو” منذ أكثر من ثلاثين سنة، حوار طويل انقل منه هذا القول وبالحرف الواحد: 

ـ تأكد يا صديقي، ان الذنب ليس ذنب احد غيركم العالم كله مكونة دولة من مكونات دينية وقومية واثنية ومذهبية متعددة ومتنوعة واراهن انك لن تقدر أن تعطيني ولا دولة واحدة في العالم تخلو من التعددية والتنوع ومع ذلك فليس هناك شبيه لكم… انتم سبب المشكلة وانتم السبب في تفاقمها وانتم ضحاياها.

ـ قلت ولكنك أسقطت تدخلات دول الجوار ومحاولاتهم لتصدير مشاكلهم الداخلية إلينا!!

ـ نعم اعرف ذلك تماما.. واعرف ايضا أن من ينام بلا ابواب عليه ان لا يلوم اللصوص بل يلوم نفسه.. والأبواب التي اعنيها ليست حرس الحدود وقوى الأمن وأسلحة الدمار الشامل.. بل اعني ان لا تترك اولادك يعانون من عقدة الشعور بالنقص، وعقدة الخوف منك.. ليتقبلوا ما يوحي به جارك بإعجاب ونهم ورغبة.. إن من يرضي “زوجته” عليه أن يثق بأنها لا تنظر لغيره.

في هذا الاطار وتناغما معه، اذكر يوما جمعتني جلسة نقاش وحوار مع عدد من المثقفين الأكراد منهم المرحوم المحامي نجيب بابان الذي تمتد صداقتي به إلى عام 1964 وكان في بداية حياته في المحاماة وكانت المناسبة هي الاحتفال بالذكرى الثانية لاتفاق 11 آذار وكان الحديث يدور حول علاقة الأكراد في العراق بإيران فراح احد الجالسين يشن هجوما على القيادة الكردية متهما إياها بالعمالة لإيران وبهدوئه المعروف واتزانه الثابت قال المرحوم نجيب بابان وهو يبتسم: “لو كان لنا هنا من يرحمنا لما فتشنا عن أبواب نهرب منها وقت الضيق” واختتم قائلا “إذا كانت لنا علاقات بإيران أو بغيرها فسببها انتم”.

ما أريد أن أصل اليه، هو ان لا نعلق مشاكلنا على شماعة غيرنا، سواء كانت ايران او تركيا رغم أن علينا ان نعترف رضينا أم لم نرض، إن ما يجري الآن على الساحة الكردستانية كاملة في ايران والعراق وتركيا وسوريا هو حرب، بكل ما في هذه الكلمة من معنى جزء منها ظاهر او أجزاء غاطسة في بحور السياسة التي تنهض الآن على مبدأ “صراع الاحتمالات” لإعادة صياغة الواقع في هذا الجزء من الشرق الأوسط وفق متطلبات أجندة قيام الشرق الأوسط الكبير بقيادة إسرائيلية.

كان من المفترض، أن يشكل عام 2003، تحولا جذريا ومهما في سياق العلاقة الأخوية بين العرب والأكراد بشكل خاص وعموم المكونات والأطياف التي يتكون منها الشعب العراقي، بيد أن الرياح جاءت هذه المرة أو كعادتها معنا، بما لا تشتهي السفن.

إن ما حصل في الماضي، حصل وانتهى ولا ينبغي أن يشكل في أي حال من الأحوال عقدة كساحية مدمرة والآن هناك إمكانية ومتسع من القدرة في إطار ظروف مواتية لاصلاح ما افسده الدهر واعادة المياه الى مجاريها، طبعا ليس ولا منطقيا افتراض ان الاساءات التي حصلت ولحقت بالعلاقات العربية الكردية هي من صنع طرف واحد، كما ليس صحيحا جعل خطأ الفرد وكأنه خطأ جمعي، والصح المطلوب هو التركيز بالعمل المتواصل على الثوابت المبدئية والأخلاقية والوطنية في العلاقة وليس ماطرأ الفعل ملابسات هي بالقطع وليدة اوضاع شاذة رافقت قيام الحكم الوطني في العراق منذ عام 1920، ارتكزت على الانفراد بالسلطة والتفرد وتغييب الاخر لاسباب واعتبارات طائفية وعنصرية تحولت فيما بعد الى نخبوية طائفية ثم عائلية طائفية واخيرا مناطقية عائلية حزبية وطائفية، وفي كل ذلك كان القاسم المشترك الطابع الديكتاتوري الاستبدادي الغارق في النرجسية والغرور والتعالي.. وبين الحين والاخر يلجأ النظام الى التحايل والتضليل والخداع فيتلاعب بالمشاعر والهويات والثقافات والانتماءات المذهبية والقومية والاثنية فمرة يدعي ان العرب هم الاكثرية والاغلبية فيهم.. عندما يكون الحديث مع الاكراد والأقليات القومية الاخرى.. ومرة يقول للشيعة انهم ليسوا اقلية، بل هو قد يصل إلى ما يقارب عدد الشيعة فيضمّ معه الأكراد والتركمان باعتبارهم سنة وهكذا كان وباستمرار ما بني على الباطل باطل. فانعكس على طبيعة وجودهم التي اتسمت بالضغط والهزال والتردي مضار كل همهم السعي لإشعال فتيل العداء العنصري الطائفي، فشرعوا يحيكون الاحابيل والحيل والأضاليل من اجل دق الأسافين المكرسة للكراهية والبغض والحقد.. وجرى حبك وفبركة القصص التي تتحدث عن كراهية كردية للعرب ورفض كردي للعرب العراقيين أيا كان موردهم او موقفهم او رأيهم. 

ولعلي ليس كعادتي هذه المرة، فلا اريد ان اطلق العنان لمشاعري وعواطفي خشية ان تسحبني إلى ما لا يناسب الظرف الراهن، بل هذه الساعات الحساسة التي نعيشها نحن شعب: العرب والاكراد والتركمان والكلدواشوريين من مسلمين شيعة وسنة ومسيحيين كاثوليك وبروتستانت وسبتين وارمن وتكليف وكلدان وسريان، وغيرهم ويهود ويزييدين وصابئة، وغيرهم. اقول ان مودتي ومحبتي واحترامي للأكراد لن تدفعني لان أبالغ في ما اقوله عنهم، في إطار كونهم مواطنين عراقيين مخلصين لا شابئة وليست هناك دالة واحدة تدل على عكس ذلك، هذا لا يعني ان ليس فيهم ما في اخوتهم العرب فليس هناك زور يخلو من واوي كما يقال. إن في وسعي ان اقول حقيقة مؤكدة عشتها منذ عشرات السنين.. وهي انهم كانوا ومازالوا ينبهون الى ان الجميع عراقيون أولاً وقبل كل شيء فأن من يرى نفسه “ناقصاً” لا يكتمل إلا بأجزاء له في الخارج، لا يمكن أن يكون قد فهم الانتماء إلى العراق فهما صحيحا فمن يشعر بـ” نقص” عليه ان يكمله من داخل الوطن ففي الوطن تكمن عراقيته الحقيقة وليست العراقية الزائفة.. نعم هناك ممن يحلم بأمته الكردية الواحدة وبدولته الكردية ورغم أن ذلك حق مشروع كما هو حق مشروع للعربي العراق أن يفكر ويحلم بدولة عربية واحدة وامة عربية واحدة، بيد ان الواقعيين المنطقيين لا يسقطون حقائق الأرض من حساباتهم لذلك فالانتماء للعراق ليس قضية مزاجية أو وقتية بل هو واقع ثابت ومؤكد لا يمكن ان يتغير او يتبدل بالاماني والاحلام.. على اننا ينبغي ان ننبه هنا الى حقيقة أن هناك ماهو أسوأ اذا لم نتعامل مع حقائق الواقع بوعي ويقظة وانتباه فما يجري الان في المنطقة خطير جدا.. انه صراع محتدم إن يكن حربا طاحنة بين العثمانية الجديدة والفارسية والمحور الامريكي الاسرائيلي القطري السعودي.. ووقود هذه الحرب الشعوب الصغيرة ذات الإمكانيات المحدودة والقدرات الضعيفة كما يحصل الآن في سوريا وما حصل في العرا وما سيحصل فيه مستقبلا ولا يستثنى من ذلك اي مكون من مكوناته واي طيف من اطيافه.. فتركيا حب هذه بكل ما لديها من اجل تصحيح اوضاعها الاقتصادية والديموغرافية والسياسية، بضم الاكراد في العراق اليها وإيجاد حزام امني بينها وبين علويي سوريا يمنع الاتصال والتواصل بينهم وبين العلويين في تركيا، كما يمنع الاتصال والتواصل بين الأكراد والطموح في الوصول الى البحر عن طريق الاسكندرونة او طرطوس. 

ان تركيا بما لديها من ستراتيجية جديدة لا تفكر الان الا في اعادة رسم خرائط المنطقة بما يحقق لها: 

1- الامن والاستقرار بإجهاض حركات كردية مسلحة كحزب العمال الكردستاني وكذلك انهاء التمردات الداخلية وإجهاض فكرة تطوير تلك التمردات الى كفاح مسلح من اجل الحصول على الحقوق التي حصل عليها اخوانهم الأكراد في العراق. 

2- كان حلم وأمل أكراد تركيا في انتماء تركيا إلى الاتحاد الاوربي، اما الآن وبعد ان تبنت تركيا ستراتيجية الانفتاح باتجاه الجنوب وبتعاون تحالفي مع إسرائيل فقد تبخر كل شيء وأضحى الوضع يهدد بتطهير عرقي حقيقي من دون استخدام اسلحة دمار شامل خصوصا بعد أن أصبح إخوة الأمس حراس اليوم على حدود غير مسموع فيها ومنها غير اختراق عشرات الطائرات التركية للتدمير والحرق والقتل والابادة والتجسس على الأرض العراقية التي فر اليها من فر هربا من الموت المحقق او التتريك المؤكد.

3- تأكيد وتركيز التواجد المالي والاستثمار والتجاري والاقتصادي والاستشاري في كردستان والانفتاح باتجاه تحقيق قدرة التأثير على الاوضاع الاقتصادية سلبا وإيجابا وتكثيف العمالة التركية في الكثير من الأنشطة والفعاليات بحيث يصبح اعتماد كردستان العراق كليا على تركيا تمهيدا لربطها ستراتيجيا بعجلة الاقتصاد التركي وبالسياسة التركية تلقائيا ومن خلال ذلك يمكن التأثير على محافظة الموصل وكذلك محافظة كركوك وتحقيق حلمها التاريخي في الوصول إليها باعتبارها مدينة تركمانية ولا يتوقف الحلم التركي عند هذا الحد بل هو يأمل الوصول إلى بغداد وربما البصرة أي كل العراق بلا استثناء ولكن على طريقة القضم وليس البلع. 

4- ومن الجهة الشرقية، فان إيران ليست اقل من تركيا شهية حول ما هو ماثل أمامها، فهي تملك أجندة خاصة بها لا تعطي فرصة لأي حلم بالخروج من هذه الشرنقة المخيفة تلك هي حقيقة ما يحيط بنا، فأين تقع المشكلة او العقدة التي تمنع تضافر الجهود من اجل بناء عراق ديمقراطي تعددي اتحادي شفاف عراق شراكة حقيقية صادقة مخلصة؟ هذا ما سنتطرق اليه في حلقة أخرى بعون الله. 

التعليقات معطلة