أن نهتم بما يجري في دولة الجارة العزيزة الكويت، فذلك امر غير مستغرب، بل ان عدم الاهتمام بما يجري في دولة جارة هو الامر المستغرب فما يحدث هناك، يؤثر سلبا او ايجابا بشكل مباشر او غير مباشر على العراق وعلى غيره من دول الجوار لدولة الكويت
يكتسب ما يحدث أهميته ليس من خلال كونه يحدث في بلد يضطلع بدور محوري في منطقة الخليج التي تعتبر من بين المناطق الأكثر اهمية في العالم وليس بسبب ما تملكه من نفط وغاز وثروة مالية متراكمة ولا بسبب كونها تمثل نظاما يعتبر جزءا من منظومة متماثلة ومتشابهة في شكل الحكم وفلسفته يبسط سلطته على ستة كيانات تكون “مجلسا اقليميا” يحمل اسم “مجلس التعاون الخليجي” بل ولسبب اخر ايضا يتجسد في ما يعنيه تحركا خطيرا ينطوي على قدر كبير من التحدي الواضح والمباشر لطبيعة النظام وركائزه الأساسية، ويشكل إخطبوطا سياسيا وفكريا تمتد اذرعه او أرجله في عموم دول المنطقة، سواء اكانت دول تمويل او ملاذات امنة او حاضنات او دول تحريض، او هي كل ذلك في آن واحد، وتتوافق وتتناغم افعال واعمال وتوجهات هذا الاخطبوط مع سيناريوهات عالمية معدة لانتاج شرق اوسط جديد يتولى فيه مقاليد السلطة او التسلط، تيار يصطبغ بالصبغة الدينية وبمحتوى الطائفية السياسية .
ان النظرة السريعة لمجمل ما حصل ويحصل الان في الخليج والكويت جزء منه لا يعطي للوهلة الاولى الانطباع الشامل والكامل عن المستقر خلف الظواهر والمظاهر الشكلية. تبدو هذه الممالك مستقرة على الاقل بالمقارنة مع ما يجري الان في عموم المنطقة العربية والاسلامية ولكن الواقع البنى السياسية والاقتصادية التي تدعم هذه الدول الاستبدادية تتعرض لتآكل وتداع ويعكس وجود مأزق حقيقي لايسمع بغير انطباع مفاده، ان الايام المقبلة تحمل الكثير من المفاجآت غير السارة للمحسوبين على هذه الانظمة خصوصا وان ثمة اجراءات تُتخذ تتسم بقدر متزايد من الغباء السياسي في مجال المعالجات المطروحة.
في علم السياسة، عندما لا تستطيع ان تفهم الواقع جيدا .. وتتصرف بطريقة غير حكيمة او ان تكون ردة الفعل اقل مما هو مطلوب او أكثر بكثير منه فان ذلك يسمى “غباءً” سياسياً خصوصا وان ما يلفت النظر حقا في المشهد السياسي العربي، هو الشغف بالتفاصيل والغرق فيها من دون الامعان والنظر للصورة الكلية.
ما يحصل الآن في الكويت لا يشذ عن ذلك، بل هو يكرس هذا المنطق ويعززه بشعور بات اكثر مغالاة كلما زاد احساس النظام بانه والكويت وجهان لعملة واحدة بل هو يفكر ويتصرف من منطلق أن لا وجود للكويت بدونه وانه هو وليس أية جهة أخرى الذي اوجد الكويت من “العدم” واسس دولتها وامدها بالديمومة والبقاء، وأعطاها الغنى والثراء والتقدم في مدارج العلم والرقي وبذلك فقد اهمل قدرات وطاقات وجهود وإمكانات شعب الكويت، الذي تحمّل الكثير وكابد اشد المحن والصعاب قسوة ومرارة من اجل حقه في الحياة الحرة الكريمة من خلال دولته التي بناها لبنة لبنة وحجر على حجر، وأعطاها كل ما يملك مقابل ازدهارها ورخائها بل ان البعض يعتقد أن للعائلة الحاكمة دورا معرقلا ومثبطا احيانا من خلال استبدادها وأحادية قراراتها وتحجيم إرادة التشكيل والإبداع المتفتحة باتجاه الافضل والاحسن لدى الشعب الكويتي.
لقد سبق شعب الكويت أشقاءه في الخليج العربي في مضمار الوعي الوطني والتطلع للحرية والديمقراطية، بحكم صلاته الوطيدة والمتينة بالشعب العراقي، ولذلك فقد كان سباقا في مضمار المطالبة بحقوقه المشروعة وكان التجاوب مع الشعب من قبل الحكومة يتراوح بين السلب المطلق او السلب الادنى وتأسيا على ذلك فقد اوجد النظام بنى ارتكازية في مجال الممارسة الديمقراطية المحدودة كمجلس النواب والصحافة وحرية التنظيم الحزبي والرأي .. ورغم ان هذه البنى لم تكن بالكيفية المرضية .. بيد انها لم تسلم من التعديات والتجاوزات المفاجئة من قبل الحكومة، فتعلق المجلس النيابي او تحمله وتعيد الانتخابات وتغلق الصحف وتحدد حركة التنظيمات الحزبية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني وتتجاوز على حقوق الانسان كلما وجدت ان ذلك بات ضروريا لتكريس النهج الاستبدادي الفردي، وتحجيم اي رغبة او امل بايجاد نظام يقوم على اساس احترام حرية الشعب وتحقيق امانيه في وجود حكومة دستورية تخضع للقانون ولاحكام الدستور ولارادة الشعب المتجسدة بمجلس النواب والصحافة والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني وانعكاسا لمجمل هذه الحالة كان ولا زال وسيظل المناخ السياسي مشحونا بشتى انواع التحديات والتحديات المضادة، وستبقى الممارسة السياسية التي غلب عليها الضجيج والانفعال والاصطفافات والتصلب في الموقف والسعي لتهييج المحيطين وعدم القبول بحلول الوسط والاستعجال بالنتائج ردا على تخبط القرارات وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم الذي علّمته التجارب انه يخرج من كل ازمة خاسرا اشياء جديدة مضافة، ليس بسبب ضعف معطيات قدرته على التعبير عن حاجاته الاساسية وحسب، بل وايضا استخدام النظام لشتى انواع التكبيل والاضطهاد والتعسف وهذا ما اسفر عن ضغط تزايد مع مرور الوقت، وكان لابد من ان ينتهي هذا الضغط الى انفجار غير ان الظروف اتجهت إلى عملية احتواء وتصريف لهذا الضغط من خلال ظهور “الحركة الإسلامية” بصيغتها المتشددة في الظاهر، وهي نسخة مكررة من النموذج الموجود في معظم دول الخليج العربي ومصر وغيرها وبذلك سقطت الغالبية العظمى من طلائع قوى الرفض الشعبي لسياسة الكبت الاستبدادي التي يتبعها النظام في حبائل السلفية الوهابية في وقت بدأت ظواهر ومظاهر التداعي والضعف والانهيار بالظهور الى العلن ما اضطر الحكومة الكويتية الى اعتقال اثنين من أفراد العائلة الحاكمة وهما: عبد الله سالم الصباح ونواف مالك الصباح بتهمة اهانة اسرة آل الصباح والحكومة الكويتية ويؤشر ذلك احد اهم الادلة المؤكدة لوجود صراع محتدم داخل اسرة آل الصباح حول كيفية التعامل والتعاطي مع الازمة الراهنة اولا ثم مع مفردات العملية السياسية وكيفية معالجة الاختلالات الى صلــــة وضرورة اعتماد مشروع متكامل للاصلاحات الجــــذرية وعلى نحو يخلص البلاد من الهيمنة الاستبدادية المدمرة والتي سيؤدي استمرار وجودها إلى نتيجة مفجعة ومدمرة، وهي تسليم مقاليد السلطة للتيار السلفي الوهابي التكفيري.
طبعا لابد من التأكيد هنا على حقيقة ان الكويت بحاجة ماسة الى ضخ دماء جديدة شابة ناضجة للنخبة الاميرية الحاكمة التي شاخ وهرم جلهم وهي أيضا بحاجة الى افكار ورؤى جديدة تتسم بقدرة التفاعل مع المحيط العالمي والإقليمي والمحلي المتغير والمتبدل في اطر عملية ومعايير رحبة ومرنة تتيح قدرة مضافة للتحرك ضمنها من ضمان الإبداع والتجديد والتمييز وعلى نحو يحقق التواصل الناجح مع مقتضيات المعايشة المفيدة شكلا وموضوعا.
ان جوهر المشكلة او المعضلة التي تعاني منها الكويت الآن ليس في التمدد السلفي التكفيري الالغائي الخطير وحسب بل وايضا في الهوة التي بدأت تتسع وتتعمق بين الشعب الكويتي وحكومته.
لقد تربت الحكومة الكويتية على منطق تجسده العقلية المتحكمة بالعائلة الاميرية الحاكمة، هذا المنطق ينطلق من عقلية تؤمن إيمانا راسخا بأنها تملك الكويت ارضا وشعبا وان الكويت مسجل باسمها ملكا صرفا ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وبذلك فلا حقّ لأي جهة او اي شخص التحكم بمفاتيح الفعل والعمل غيرها لذلك اباحت الحكومة لنفسها التعامل والتعاطي مع الشعب ورموزه ومؤسساته وكياناته على أساس انه لا يستحق غير “العصا” ان حاول الخروج من الطاعة العمياء كونه مجرد خادم او أجير ليس غير ذلك ينفذ ما يطلب منه بلا اعتراض او معارضة او حتى استفسار .
من هنا جاءت تداعيات الموقف في الكويت الذي لم يشهد لها مثيلا فقد بدأ الحصاد يتراكم لصالح قوى السلفيين الوهابيين الذين كانوا ولا زالوا يمثلون الاطماع السعودية في الكويت.. تلك الاطماع التاريخية التي عبر عنها الملك عبد العزيز قبل وبعد ان حقق له الانكليز حلمه في الاستيلاء على نجد والحجاز، وتنقل الوثائق الصراع الدامي والمتواصل بين الشيخ مبارك الكبير وعبد العزيز آل سعود والمحاولات التآمرية التي جرت للايقاع بكليهما وتوريطهما بحروب وغزوات ومشاحنات، وسنتطرق إلى هذا الموضوع بالتفصيل في موضوع قادم ان شاء الله.
ما نحن فيه الان، هو ان النظام سلم مقاليد ادارة الصراع في الكويت للتيار السلفي التكفيري اراد ذلك او لم يرد خصوصا عندما عمد الى اتخاذ اجراءات غير متوازنة وغير منضبطة عبرت عن انفلات السيطرة من عقالها وتدني الضبط الاجرائي الى ادنى حد ومن ذلك قيام قوات الطوارئ بالاعتداء المبرح على عضوين من مجلس النواب هما: النائب جميل الحريش والنائب وليد الطبطبائي ومشهد سحل ودهس المتوفى الحقوقي الدكتور عبيد الوسمي وايداع الكاتب الكويتي المريض بالقلب محمد عبد القادر الجاسم السجن في تزامن مع سلسلة من الاقتحامات والتجاوزات على الكثير من الديوانات وتوجيه الاهانات والسباب والشتائم من قبل قوات الطوارئ.
لا نريد هنا ان نلوم حكومة الكويت لمجرد اللوم او دفاعا عن تيار سلفي تكفيري ينوي جر البلاد الى متاهات التكفير والإلغاء وفرض دكتاتورية الدم والدموع والحرائق باسم الإسلام والإسلام بريء منهم ومن توجهاتهم التخريبية المدمرة بيد اننا نشير الى ذلك، لان هذه الامور وغيرها تجير لصالح هذا التيار الذي استغل كل اخطاء النظام وسقطاته بما في ذلك موقفه من البرلمان وتجاوزه على الديمقراطية وحرية الرأي، تلك حقيقة عبرت عنها سلسلة التعاملات غير الدستورية ضد مجلس النواب منذ أن أقدم الجيش جابر الأحمد على حل مجلس الامة الكويتي مستجيبا للتيار الذي يوصف عادة بانه متشدد في الاسرة الحاكمة واقام بدلا منه مجلسا سماه “المجلس الوطني” وقد ظل ذلك هو ديدن السياسية الكويتية، حيث تراجع المد الدستوري الاصلاحي لصالح مبادرات انطوت على تكرار لسياسة “حل” المجلس وهو ما دفع قوى سياسية في الكويت لتنخرط في استقطابات خطيرة على المستوى الطائفي والاجتماعي والسياسي، نعم نحن نعترف تماما، ان وجود التيار السلفي ليس نتاجا محليا، بل هو نتاج مستورد من دول خليجية تمتهن مهنة إعادة تصدير ما ينتج في اسرائيل وتركيا كقطبين مسؤولين عن اعادة ترتيب وتركيب المنطقة وفق خارطة طريق “الشرق الاوسط الجديد” بيد اننا نرى ابيضا ان ثمة عوامل مساعدة هي التي تجعل هذا التيار مقبولا من جزء من الشارع الكويتي، وخصوصا ذلك الجزء الذي تضرر او يتضرر من الإجراءات التعسفية والاتجاهات المتخبطة التي تقدم عليها السلطة سواء على المستوى السياسي أم الاقتصادي وبذلك برز الآن تياران أساسيان تسيدا الشارع الكويتي.
الاول، تيار الشعب الكويتي الذي ظل أمينا على هويته وانتمائه وثقافته محاولا دفع النظام باتجاه الاصلاح وتجاوز عقدة الهيمنة والسيطرة والاستبداد هذا التيار الذي يحظى بوجود اكثر من سبب يدفع باتجاه تفادي الوقوع في هاوية الانفلات الامني وسقوط السلام الاجتماعي والتعايش البناء بين ابناء الشعب بعيدا عن حمامات الدم بتكفير الآخر واسقاط حقه في الحياة الحرة الكريمة. والثاني سلفي تكفيري يريد ان يدفع الحكومة باتجاه التحلل والانهيار ليخلو له الجو، فيملأ الدنيا حرائق ودمارا ودموعا ودماء ومع ان هذا المخطط قد بلغ الآن مراحله التنفيذية الاخيرة، بيد ان الاسرة الحاكمة مازالت بعيدة عن ان تفهم حقيقية ان الصراع السياسي والقائم الان في الكويت، يتجه الى جعل الكويت من مناطق التوتر التي تتدخل فيها تقاطعات اقليمية ودولية تحدث شروخا عميقة وخطيرة في البنية السياسية والاجتماعية الكويتية, وعندها تصبح محاولات الترميم ومعالجات التسكين غير مجدية ابدا الامر الذي سيؤدي الى ازدياد التشرذم بين القوى الاجتماعية والسياسية والإعلامية في الكويت بما يوسع شق الخلافات في المجتمع الكويتي ويهدد بفتح ابواب الصراعات الطائفية والسياسية والاجتماعية وعلى نحو يضع مستقبل الكويت على حافة الهاوية.. وقد ظهرت ملامح ذلك من خلال الاتهامات المتواصلة الصادرة من التيار السلفي للشيعة في الكويت بانحيازهم إلى السلطة.. وهذه الاتهامات العارية عن الصحة تفصح عن ان ما وراء الاكمة ما وراءها وان المستقبل يخفي اشياء لدى السلفيين سيؤدي ظهورها إلى تعريض مستقبل الكويت وأمنها الاجتماعي الى خطر حقيقي.
يقول الدكتور محمد عبد المحسن المقاطع إن الهوية والانتماء والمواطنة لم تكن تمثل مشكلات حقيقية قبل استعمال المد السلفي بسبب الممارسة الديمقراطية المشوهة في غياب الحياة الحزبية وحرية الرأي فقد أصبحت الطائفة أو القبيلة هما البديلان وتؤكد تلك الحقيقة الدراسة التي أجريت على مستقبل الديمقراطية في الكويت من قبل “مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية” ومقره في أكسفورد.يقول الدكتور سعود هلال الحربي بطبيعتي لا أحب التشاؤم، ولكن الصورة تبدو لي قاتمة جدا، إذ استمر الوضع على ما هو عليه ويعزو السبب في ذلك للجميع سواء الحكومة او مجلس النواب او الشعب او الإعلام.
وتنحي جريدة الوطن الكويتية باللائمة على مشايخ السلفية الذين يقدمون الفتاوى الجاهزة للتظــاهر والاضـــــطرابات والاعتصامات والتمردات دون توضيح الآثار التي تترتب على كل ذلك وتوقع احد كتاب جريدة الوطن في عددها الصادر بتاريخ 24 / 10 / 2011 ان يبدأ الشعب الكويتي بالهجرة قائلا : ان الكويتيين سيكونون ثالث أكثر شيء تراه في كل مكان في العالم .. بعد ” الزرازير” و “اللبنانيين ” بحسب قوله.
وتقول جريدة الوطن في مقال لها: لقد انتشر الفساد وعم البلاء في الكويت، فلا تنمية ولا تعمير ولا بناء انما نخرج من مشكلة لنحط في مشكلة اخرى، كأن الكويت عقرت ان تلد رجالا مخلصين عميت عيونهم عن الشر اعينهم بطيئة عن الباطن أرجلهم.