Pdf copy 1

مهند محمود شوقي
لا توجد مؤسسة تنهار فجأة، كما لا توجد دولة تتراجع بين ليلةوضحاها. التراجع يبدأ عادة من قرار صغير يبدو عادياً في ظاهره،لكنه يترك أثراً عميقاً في المستقبل. يبدأ عندما يُفضل القريب علىالكفء، والمحبوب على المستحق، وصاحب العلاقة على صاحب الخبرة.
وفي كل مرة يُعلن فيها عن تعيين أو تكليف أو ترشيح لمنصب ما، يعودالسؤال نفسه ليتردد في أذهان الناس: هل وقع الاختيار علىالشخص الأفضل فعلاً، أم على الشخص الأقرب؟ هل كانت الكفاءةهي المعيار، أم أن المحبة والمزاجية والانتماءات الضيقة لعبت دورهاالمعتاد في حسم القرار؟
هذا السؤال ليس تفصيلاً إدارياً هشا ، بل هو أحد أهم الأسئلة التيتحدد مصير المؤسسات والمجتمعات. فنجاح أي مؤسسة لا يرتبطبحجم ميزانيتها أو عدد موظفيها بقدر ما يرتبط بقدرتها على اكتشافالكفاءات ومنحها الفرصة المناسبة.
المشكلة لا تبدأ عندما يُختار شخص أقل كفاءة من غيره، بل عندمايصبح ذلك أمراً مألوفاً ومتكرراً. عندها تتحول المحسوبية من ممارسةفردية إلى ثقافة عامة، ويتحول الاستحقاق إلى استثناء نادر يحتاجصاحبه إلى كثير من الحظ أكثر مما يحتاج إلى الجهد والخبرة.
كم من موظف متميز فقد حماسه لأنه شاهد من هم أقل خبرة يتقدمونعليه؟ وكم من شاب أمضى سنوات في الدراسة والتدريب ثم اكتشفأن شهاداته وخبراته لا تكفي وحدها للوصول؟ وكم من مؤسسة خسرتفرصة للتطوير لأنها وضعت الشخص الخطأ في المكان المناسب، بينماأبقت الشخص المناسب خارج دائرة القرار؟
الأخطر من ذلك أن المحسوبية لا تظلم الأفراد فقط، بل تظلم المؤسسةنفسها. فحين تُستبعد الكفاءات تتراجع جودة القرار، وتضعف القدرةعلى الابتكار، وتزداد الأخطاء، وتصبح المؤسسة أقل قدرة على التكيفمع المتغيرات. وبعد سنوات من التراجع يبدأ الجميع بالبحث عنالأسباب، بينما يكون السبب الحقيقي قد بدأ منذ اللحظة التي تم فيهاتجاهل معيار الكفاءة.
وفي مجتمعاتنا كثيراً ما ترتدي المحسوبية أقنعة مختلفة. فقد تأتيتحت عنوان المحبة، أو الوفاء، أو الاعتبارات الاجتماعية، أو الانتماءاتالمناطقية والحزبية. لكن النتيجة تبقى واحدة؛ وهي إغلاق الأبواب أمامأصحاب الخبرة وفتحها أمام أصحاب العلاقات.
وما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً أن الكفاءات لا تصرخ عادة ولا تشتكيكثيراً. إنها تنسحب بصمت. بعضهم يهاجر، وبعضهم ينعزل،وبعضهم يكتفي بأداء الحد الأدنى من العمل بعدما فقد إيمانه بعدالةالفرص. وهنا تخسر المؤسسات أثمن ما تملكه؛ العقول القادرة علىالتغيير.
ولعل أفضل طريقة لفهم أهمية معايير الاختيار هي النظر إلى تجاربالدول التي نجحت في بناء مؤسساتها الحديثة. فهذه الدول لم تصلإلى ما هي عليه اليوم بسبب وفرة الموارد وحدها، بل لأنها وضعتالإنسان الكفء في المكان المناسب.
في سنغافورة، لم تكن هناك ثروات طبيعية هائلة يمكن الاعتماد عليها،لكن الدولة اختارت أن تستثمر في الكفاءة والانضباط والجدارة. فكانمعيار الاختيار قائماً على التعليم والقدرة على الإنجاز والابتكار، لاعلى العلاقات الشخصية أو الانتماءات الضيقة. وخلال عقود قليلةتحولت إلى واحدة من أهم المراكز الاقتصادية والمالية في العالم.
وفي كوريا الجنوبية، التي خرجت من الحرب وسط ظروف قاسية، لميكن أمامها سوى الاستثمار في الإنسان. فربطت النجاح بالإنتاجية،والترقيات بالإنجاز، والدعم الحكومي بالابتكار. واليوم أصبحت نموذجاًعالمياً في التكنولوجيا والصناعة والبحث العلمي.
أما الإمارات العربية المتحدة فقد أدركت مبكراً أن المستقبل لا يُبنىبالإدارة التقليدية وحدها، فاعتمدت مفاهيم التنافسية الحكوميةوالابتكار واستشراف المستقبل، وربطت العديد من مؤسساتهابمؤشرات أداء قابلة للقياس، ما أسهم في رفع كفاءة الخدمات وتعزيزبيئة الأعمال والاستثمار.
وفي دول مثل فنلندا والدنمارك، لم تأتِ الثقة العالية بالمؤسسات منفراغ، بل من إيمان المواطن بأن الفرص تُمنح وفق معايير واضحةوعادلة، وأن القانون هو الذي يحدد من يتقدم، لا العلاقات الشخصيةأو النفوذ الاجتماعي.
هذه الدول لم تبنِ نجاحها على الأشخاص الذين تحبهم، بل علىالأشخاص القادرين على صناعة الفرق. ولم تقِس نجاحها بعددالموظفين أو حجم البيروقراطية، بل بمؤشرات الابتكار والإنتاجية وجودةالخدمات واستقطاب العقول.
ومن هنا فإن علاج المشكلة لا يكون بالشعارات، بل ببناء منظومةواضحة للاختيار. منظومة تعتمد معايير معلنة ومفهومة للجميع،وتخضع القرارات فيها للتقييم والمراجعة، وتربط المواقع والمسؤولياتبالإنجاز الحقيقي لا بالعلاقات الشخصية.
كما أن تشكيل لجان مهنية مستقلة، واعتماد مؤشرات أداء واضحة،وإخضاع المسؤولين للتقييم الدوري، كلها خطوات ضرورية لضمان أنتبقى الكفاءة هي الطريق الطبيعي للوصول إلى مواقع المسؤولية.
واعتقد جازما أن بناء المؤسسات لا يبدأ من الأبنية ولا من الموازنات ولامن الخطط المكتوبة على الورق. يبدأ من قرار واحد: من نختار؟

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *