Pdf copy 1

سالم روضان الموسوي
يقدم القرآن الكريم رؤية متكاملة لمفهوم النصر، تتجاوز حدود الغلبة العسكرية أو التفوق الاقتصادي لتؤكد أن النصر وعد إلهي مشروط بالإيمان والصبر والطاعة، وأنه ليس مجرد نتيجة مادية آنية، بل هو تمكين للحق وإعلاء لكلمة الله، مرتبط بصدق العقيدة وثبات الموقف أكثر من ارتباطه بالعدد والعدة. وعلى وفق قوله تعالى (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقوله تعالى (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وأكد الله تعالى وعده بتحقيق النصر للمؤمنين بقوله تعالى(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، ومن خلال هذه الرؤية القرآنية يصبح التاريخ مرآةً تكشف عن سنن الله في الأمم، حيث تتلاشى القوى الغاشمة مهما بلغت من قوة المال والسلاح، ويبقى البقاء للقيم السامية والثوابت الإيمانية الراسخة.
وعند قراءة التاريخ بوعي ندرك أن ثنائية القوة العسكرية وقوة رأس المال مترابطة، يولد بعضها بعضاً، وتشكل أسباب النفوذ عند بعض الأمم والخضوع والذلة عند أخرى، غير أن هذه القوى المادية زائلة لأنها قائمة على مؤثرات غير مستقرة، بينما البقاء للقيم الثابتة التي تستمد قوتها من الإيمان، وقد ذكر لنا القرآن الكريم في قصص الأمم الغابرة، بأن العبرة ليست في امتلاك أدوات القوة المادية، بل في كيفية توظيفها ضمن إطار الحق والعدل، وهو ما يجعل النصر الحقيقي نصراً للقيم لا للسلاح وحده،
وفي هذا السياق تبرز واقعة الطف أنموذجاً خالداً لهذه السنن، فالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه كانوا قلة في العدد والعدة، لكنهم واجهوا قوة عسكرية غاشمة مدعومة بسلطة المال والنفوذ، ورغم أن النتيجة الظاهرية كانت استشهادهم جميعاً، إلا أن موقفهم كان نصراً للأمة الإسلامية، إذ حفظ للإسلام جوهره الأصيل، وأثبت أن النصر الحقيقي هو انتصار الحق على الباطل، وأن الدم الطاهر يمكن أن يتحول إلى قوة روحية وفكرية تحفظ للأمة قيمها وتمنحها القدرة على الصمود أمام التحديات، لقد تحوّل دم الحسين وأصحابه إلى رمزٍ خالد، وأصبح موقفهم مدرسةً للأمة في أن النصر وعدٌ إلهي لا يقاس بالعدد، بل بصدق الموقف وثبات العقيدة،
وعندما ننظر إلى حاضر الأمة، نجد أن استشهاد قادة المقاومة الإسلامية المتمثل بسيد شباب المقاومة الشهيد حسن نصرالله وامام المقاومين الشهيد السيد علي الخامنئي ورفاقهم من الشهداء في العراق وايران ولبنان وغزة واليمن وفي جميع البلدان الإسلامية، والذين عبدوا طريق النصر بدمائهم الزكية وحملوا راية المقاومة، فان هذا الموقف يدخل في ذات السياق التاريخي والقرآني، فهؤلاء القادة واجهوا قوى عسكرية واقتصادية غاشمة وهي اعتى قوة في العالم أمريكا وربيبته الكيان الصهيوني ومناصريهم من المنافقين المخذولين المهزومين ممن يدعون الإسلام الذين تسلطوا على مقدرات بلدانهم،
لكنهم ثبتوا على قيم الإيمان والحق، فكان استشهادهم امتداداً لخط الطف، ومنهج الامام الحسين (ع) حيث يتحول الدم إلى قوة معنوية وروحية تعزز صمود الأمة وتؤكد أن النصر ليس في بقاء الجسد، بل في خلود الفكرة والقيم، وهكذا يصبح استشهادهم نصراً للأمة، لأنه يرسّخ القناعة بأن البقاء للقيم السامية، وأن بلاد المسلمين وبفضل قوى المقاومة ستبقى موطناً للقيم السماوية وموطن الأنبياء والأولياء والأوصياء، مهما تقلبت موازين القوة المادية، وانعكاس هذا الاستشهاد يظهر بجلاء في ثبات الشعوب والبلدان على الإيمان وحفظ القيم، فالشعوب التي فقدت قادتها لم تفقد بوصلتها، بل ازداد تمسكها بمبادئها، وتحولت التضحية إلى طاقة معنوية تعزز الصمود وتؤكد أن الدماء الزكية لا تذهب هدراً، بل تصنع وعياً جديداً وتؤسس لمرحلة أكثر رسوخاً في مواجهة التحديات،وهكذا يثبت التاريخ والقرآن معاً أن القوى الغاشمة مهما بلغت فهي زائلة، وأن النصر الحقيقي هو بقاء القيم، وأن الأمة التي تمتلك ثوابت إيمانية راسخة لا يمكن أن تُهزم، وهذا النصر المؤزر من واقعة الطف إلى حاضر الأمة واستشهاد قادتها، هو مصداق لوعد الله عز وجل في نصرة المؤمنين بقوله تعالى (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
اما المرجفون والمتخاذلون الذين قصّروا في نصرة الإمام الحسين (ع) يوم الطف، أو في نصرة المقاومة الاسلاميةفي حاضر الأمة، فإن القرآن الكريم يردّ عليهم بوضوحبقول الله تعالى (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) فالنصر وعد إلهي لا يناله إلا من ثبت على الحق، أما الذين أعرضوا أو تخلّفوا فإنهم خسروا شرف المشاركة في صناعة التاريخ، وبقيت دماء الشهداء وحدها تصنع النصر وتؤسس لخلود القيم، وهكذا يظل الموقف الحاسم،بأن النصر للأمة هو في ثباتها على القيم، وأن المرجفين والمتخاذلين لا يغيّرون من سنن الله شيئاً، بل يظل الحق منتصراً والباطل مندحراً مهما طال الزمن،

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *