فارس حامد عبد الكريم
(على وزن خطبة قس بن ساعدة الأيادي)
أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانفعوا. إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكلما هو آتٍ آت. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج.
أما بعد:
أيها الناس، إن في الأرض لعبرًا، وإن في الفساد لخطرًا. ما بال أقوام عَمِيَتْ بصائرهم،وغرّتهم أطماعهم؟ فباتوا ينهشون جسد الأوطان، ويقايضون الحق بالنكران!
إن الفساد سوسٌ ينخر العظام، وسيلٌ يهدم البنيان. إذا حلّ بأرضٍ بادَ نَماؤها، وضاعدَواؤها، وخَفَتَ ضِياؤها.
انظروا إلى التنميةِ كيف كُبّلت أقدامُها، وحُطّمت أعلامُها!
أموالٌ تُهدر في غَيابة الجُبّ، ومشاريعُ تولد ميتةً بلا لُبّ. فلا شجرٌ يثمر، ولا حجرٌ يُعمر، مادام الطمع هو الذي يأمر وينهى.
وانظروا إلى التعليم، مَوئِل العقول ومنارة الأجيال! ، كيف أثقلهُ المحسوب والمنسوب في جامعات اهلية! فإذا بيع العلم بالدنانير ، وتولى الأمر غير الخبير، هَوَت المنارة،وخسرت التجارة، ونشأ جيلٌ لا يعرف هُدًى ولا رشادًا.
ثم سِيروا في دروب الصحة، وانظروا إلى المستشفيات والدواء! كيف يغدو المرضتجارة، والشفاء أمنيةً بعيدة المنال؟ إذا غاب الضمير، مات الصغير والفقير، وصرخالعليلُ فلا مُجيب، وهرب الطبيبُ اللبيب، وبات الموتُ أقربَ من الشراك.
وأما العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص، وهي ميزان الله في الأرض؛ فما بال ميزانها عند بعض الساسة قد مال؟ وكيف غدا المنصبُ للجاهل بتزلفه، وللفاسد بنفوذه، والنزيه بالباطل يقصى بلا جرم او ذنب.
ايها الناس
إعلموا انه إذا ذلّ العزيزُ بغير حق، ورُفع الوضيعُ بغير صدق، ضاعت الهيبة، وحلّت الخيبة، واستُبيحت حقوق الرعية، وضعفت أركان الدولة القوية.
أيها الناس، إن العاقبةَ وخيمة، وإن المصيبةَ فادحة.
تَرون الظلم وتسكتون، وترون الحق يُسلب ولا تغضبون! فما جمعَ مالٌ من حرامٍ إلاتبدّد، وما قَويَ باطلٌ إلا تبدد وتأود.
تَبّاً لأيدي الخائنين، وبُعداً لِلراشين والمرتشين! إن الأوطان لا تُبنى على شفا جرفٍ هار،ولا تعيش في ظل ليلٍ بلا نهار.
فاستفيقوا من الغفلة، وخذوا على يد المفسد، قبل أن يغرق المركب، فلا ينجو منكمأحد.
ايها الناس
وإن من الخير أن يُذكر أهله، ومن الوفاء أن تُعرف مواقف رجاله.
فطوبى لمن حمل راية الإصلاح، وعاهد الله والناس على محاربة الفساد، وسعى في كشف مواطن الخلل، وردّ الحقوق إلى أهلها، وإقامة العدل بين العباد.
فشدّوا أزرَ كلِّ مخلصٍ صدق وعده، وأعينوا كلَّ نزيهٍ أدى أمانته، فإن المصلح وحده لا يقوى على حمل الأعباء، وإنما تنهض الأمم إذا اجتمع صدق القائد مع وعي الشعب، وإذا تساندت الإرادات على إقامة الحق ودفع الباطل.
فأعينوا أهل الإصلاح، فإن السفينة إذا كثرت أيدي المخلصين نجت، وإذا تُركت للخائنين غرقت.
ايها الناس
إن هذا لَقولٌ فصل، وما هو بالهزل، أقول قولي هذا، والله يشهد على ما أقول، وإليهالمرجع والـمَآل.


لا يوجد تعليق