يتعرض العراق الى حرب مسعورة من التفجيرات يقف وراها الذين استرخصوا الدم العراقي وكل دم أنساني في منطقة تمتد من باكستان مرورا بالعراق وسورية واليمن الى شمال أفريقيا حيث ليبيا وتونس والجزائر وجنوبها حيث مالي والنيجر وهي من المناطق المنسية لولا وجود بعض المعادن التي تحرص فرنسا على استثمارها بشراكة غير منظورة مع الشركات الامريكية التي جعلت الحكومة الامريكية تخصص 35 ألف من جنود البنتاغون موزعين على أفريقيا التي تعرف قبائلها كيف تتقاتل ولا تعرف كيف تحمي نفسها من الايدز والملاريا والفقر وخطط التآمر التي لن يكون آخرها تقسيم السودان وإقامة سد النهضة في أثيوبيا لمعاقبة الشعب المصري في ثروته المائية , مثلما حدث للعراق
عندما حققت الصهيونية مرامها في تشجيع تركيا الطورانية على بناء السدود التي تزيد عن الحاجة الحقيقية لتركيا والتي راح المال الخليجي المستثمر في برامج وأهداف توراتية لا تنتمي لهوية المنطقة ولا لاحتياجاتها الوطنية , ولذلك أصبحت تلك التوجهات تترجم علنا من خلال حرمان العراق من حصته المائية , ثم أعقبتها بحرمان العراق والمنطقة من أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي , والاخطر من كل ذلك حرمانها من الأمن الثقافي , وهي الظاهرة والاشكالية التي لم تنتبه لها الهيئات الحاكمة ولا النخب الثقافية بما فيها الحواضن الدينية التي أصبحت منقسمة في ولاءاتها بعد أن كانت مرجعية عقائدية ,
أصبحت مرجعية للفتنة والانقسام مما جعل المواطن في العراق والمنطقة ضائعا بين أعلام مضلل , وأنظمة فاسدة ,وأخرى جاهلة , وبين مؤسسات دولية متحيزة في ولائها للمحور التوراتي , وأخرى منساقة وراء مصالحها التي أختطفها صناع القرار الذين فازوا بسباق التقنية الذي يبدأ من خبرة متمكنة في صناعة البترول المعدن الذي أصبح الأب غير المنازع للطاقة التي يتحرك من خلالها العالم , ثم الذرة التي أصبحت من يملكها يملك المحاصصة والتهديد وفرض ما يريد , الى الفضاء الذي داعب أحلام بعض رواده بحرب النجوم غطرسة وبثا للرعب , وأعلانا للهيمنة التي تريد كل شيئ دون أن تخلق شيئا , فوقعت في وهم الغرور حتى اصطدمت بما يلغي الفرح والسرور فكتمت ذلك سرا حتى لا يصار الى ذهاب هيبتها وفقدان سيطرتها , فراحت تتفنن بألوان السياسة تارة بالقوة كما حدث مع العراق نتيجة بدائية وجهالة صدام وعصابته , وتارة بالخدعة والمكر والدهاء , كما يحدث اليوم فيما يسمى بالربيع العربي الذي أعطى المحور التوراتي فيه خيار الظهور العبثي المدمر بما يحمله من خميرة الشر والفساد التي تفضي الى الفناء الممنهج عبر ممارسات تنظيم القاعدة الوهابي التكفيري الذي تغلغل منذ ظهور الثروة النفطية في الجزيرة العربية في الحاضنات الدينية متخذا من الأزهر الشريف منطلقا من خلال الرواتب والمكافئات المغرية , فكان صيدهم ثمينا عندما أصبحت الفتوى سلاحا للوهم والتضليل وتفريق الأمة ولم يتركوا الأحزاب الدينية ذات الثقافة الروائية التي تقترب منهم حتى كان الأخوان المسلمون , وحزب التحرير ,والجماعات التي اتخذت عناوين جهادية كثيرة ممن يدورون في فلكهم .
وكل هذا المشهد كان مرصودا ومتابعا من قبل أصحاب الشأن الدولي ممن أصبحت ولايتهم أمرا واقعا نتيجة ملكيتهم لأصول الصناعة التي تخلف عنها من ظل يرسف تحت أوهام ثقافة الرواية المنحرفة التي نسخت أصالة الثقافة القرآنية , حتى أصبحت الازدواجية الثقافية تشكل اشكالية هذه الأمة التي ألبست هوية غير هويتها وهي لما تزل في خدر المنام واستبعاد اليقظة بعوامل كثيرة يعرفها من ملك أصول الصناعة والبحث العلمي , ويجهلها من حرم أو أبعد عن تلك الاصول .
لذلك وجدنا جيلا في العراق والمنطقة لا يقرأ , ولا يحب القراءة , وهو محاصر بوجود مظاهر كانت وراءها القراءة ومناقبية العلم والبحث والجد والجهد المستمر لاكتشاف المزيد وتطوير المكتشف , فكانت الريادة لهؤلاء المكتشفين والباحثين المجدين على القاعدة القرآنية ” وتلك الأيام نداولها بين الناس ” وكان التقليد والسبات من نصيب الذين لا يحبون القراءة .
وهؤلاء اليوم هم كثير من جمهورنا , الذين أصبحوا لا يملكون سوى النقد ويكثرون من الانتقاد , حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعا , بينما هم يزدادون بؤسا وتخلفا وإفلاسا في كل شيء .
فهم يتكلمون ولا يعرفون متى يكون الكلام نافعا ومتى يكون ضارا لأنهم لم يعرفوا القاعدة التي تقول ” لا تقل كل ما تعرف ” وواضع هذه القاعدة رجل امام اليه كانت تشد الرحال , واليوم تكتفي النساء وبعض الرجال بالمشي الى زيارته لكنهم لا يعرفون تطبيق مفاهيم ذلك الإمام في حياتهم حتى أصبحت ثقافتهم لا تنتمي لثقافة وفكر ذلك الامام الذي كان يقول : أن هاهنا لعلم جما لو وجدت له حملة وهو يشير الى صدره ” وكان يقول : أني أعلم بطرق السماء من طرق الأرض ” وكثير من الذين يصرون على المشي راجلين لزيارته , لا يعرفون طرق الارض , ولا يفكرون بطرق السماء , بل لا يعرفون كيف يأكلون ويشربون بنظام على القاعدة القرآنية ” كلوا وأشربوا ولا تسرفوا ” .
وهؤلاء الذين ضيعوا مفردات الحياة المتحضرة , هم اليوم ممن ضيع مفردات الثقافة المتحضرة , والسلوك المتحضر , وطريقة التفكير المتحضر , لذلك تجدهم لا يعرفون تربية الابناء والبنات , ولا يعرفون العمل في السياسة سوى الادعاء، فالاحزاب عندهم عصائب قبلية تعرف التناحر ولا تعرف ألانسجام والانتظام في خط الحياة والعمل , فتحولوا الى معطلين للعمل التنظيمي الحزبي الذي نسى المبادئ , وتعصب للمظاهر والعناوين فسجلوا على أنفسهم نصيب الخاسرين .
والإعلام عند هؤلاء هو بضاعة للمقاولة والاحتكار , وليس مداولة للصالح من الافكار , فالمظاهر عندهم تطغى على كل شيء , والمعلومة يتيمة ضائعة يفسدها مناخ الأستوديو المحاط بدكتاتورية المال وفرض التجبر والتبختر بالمكياج وأصطناع الزينة الظاهرية التي أتت على هيئة اللباس لتكتسح تاريخا من القيم , سعيا وراء واقع الحال المنتقل والمرحل الينا بهيمنة من ملك أصول التنقل والاتصال عبر الاقمار والجوال الذي أصبح مغريا للنساء والرجال .
ولهذا حل بنا شتات الرأي وتفرقت الأجيال , لان الثقافة أصبحت رطانة وإسفافا يحط في ربوعنا الرحال .
فأصبحت الاتهامات تكال بالمثاقيل وبالأرطال وبما هو فوق وزن الجبال.
فأنت لهذا محاصر بالشبهة وبالخامل والمعطل من الافكار.
منها من ينتصر جهلا لتظاهرات عارية من لباس الوقار, ومنها من يساوي بين الجنة والنار.
ومنها من لا يعرف العدو والصديق , بل لا يعرف المناوئ والمنافق صاحب الاضرار.
حرب التفجيرات مولود ميت ينتظر دفنه , وفوضى التظاهرات أصبحت دلالة كاشفة لثقافة القابلية على التقليد والتبعية التي يشرف على ادارتها محور الديمقراطية المنافقة التي تدفع السلاح لمن يشق الصدور ويأكل القلوب ومن يذبح الناس على طريقة الخراف , ومن يسترق النساء اغتصابا، ويرمي بالاطفال في أتون الحرب كما ترمى القمامة. ديمقراطية النفاق ظاهرة العصر , والتكفير عقدة النفوس المريضة بغطاء الفتاوى التي عرف أصحابها جيوبهم قبل معرفة ربهم.
وعلى هذا النسق أصبحت إشكالية الثقافة ترى مقاومة العدو الصهيوني غلوا ومغامرة , مثلما ترى التصدي للإرهاب ومجاميعه المسلحة مهلكة لا فائدة من ورائها، ناسية أن الإرهاب التكفيري هو موت البشرية وفناء الحياة التي جعلها الله وديعة النفوس الخيرة والعقول المتزنة , وعلى هذا المستوى الخالي من المعرفة يتهم حزب الله بالإرهاب , ويكفر العقلاء من الناس لا فرق بين المسلم والمسيحي , ويخون الصالحون , ويعرض عن أهل الرأي المعتصم بحبل الله , وستبقى هذه الإشكالية حتى تذهب سكرة البترول , وتصدم البشرية بهول المتغيرات الكونية التي لا يملك مفاتيحها الذين طغوا وأثروا الحياة الدنيا على الآخرة , مع عدم نفي امكانية التحول والتغيير عندما تولد أجيال تعرف ربها وتخلص له
العمل في كل مساحات الحياة حتى يختفي التكفير ويصاب أصحاب نفاق الديمقراطية من الذين سموا أنفسهم بالعالم الحر وهم لا يعرفون معنى الكر ولا طهارة الجسد فضلا عن طهارة النفس وسلامة العقل .

