Pdf copy 1

ما أن يقترب العراق من الخروج من الفصل السابع لا تكتمل فرحة العراقيين نتيجة لتفشي ظاهرة الفساد الخفي .

والفساد الخفي هو المغطى من قبل المسؤولين , ويتمثل في وجود مكاتب فاسدة , يتولاها فاسدون، ويعمل فيها فاسدون , فيشكلون شبكة من الفساد تتغلغل في أوصال الدولة والمجتمع .

والمكاتب اليوم أصبحت ظاهرة في الحياة السياسية والاجتماعية , فلمسؤولي الدولة من الرئاسات الثلاث الى الوزارات ووكلائهم والمدراء العامين ,الى أعضاء البرلمان ورؤساء مجالس المحافظات وأعضاء مجالس المحافظات , ومن قادة الفرق والاجهزة الامنية الى رؤساء الشعب والاقسام الى القضاء وأقسام مسؤولياته , هذه كلها أصبحت تشكل شبكة يقوم العاملون فيها بالتعامل مع القضايا الحساسة للمواطنين بعنوان الضرورة التنظيمية للدولة .

ولكن هذه الضرورة تحولت الى ضرر بالغ الخطورة , فهي كالسرطان المنتشر الذي يعجز الطبيب عن علاجه , فيحيله للدواء الكيميائي أو لجرعات الاشعة , وكلها قاتلة , والطبيب يعلم أن الشفاء ميؤوس ومسؤول الدولة النظيف والمخلص في العراق اليوم حاله كحال الطبيب تجاه السرطان المنتشر , ولكن الفارق بين الطبيب وبين المسؤول , أن الطبيب يواجه قدرا فسلجيا تكوينيا هو غير مسؤول عنه , بينما المسؤول السياسي والحكومي يتحمل مسؤولية الفساد الذي أصبح منتشرا في كل مواقع الدولة والمجتمع .

أما السياسي فهو يتحمل المسؤولية : لأنه لم يبذل جهدا مخلصا في اختيار

أتباعه ومؤيديه , من حيث تأسيس المكاتب وإنشائها , ومن حيث تأسيس الاحزاب وتنظيماتها وادارتها , ومن ثم من حيث الانتخابات وطريقة الترشيح فيها .

وفي هذا المقطع لا يظنن أحد من السياسيين أنه بمنأى عن التهمة والمساءلة ومن أوجد له مصدات وموانع من محاسبة الناس , فأنه لن يفلت من محاسبة الرب وعقاب الاخرة , وهذه نظرة معرفية تشخيصية تأخذ مصداقيتها من نصوص قرآنية لا يمكن احتكار تفسيرها كما يحلو للبعض ممن أنتج فتاوى التحريض والفتنة هذه الايام .

وأما المسؤول وفي كل المواقع الحكومية ونتيجة الصلاحيات التي يتمتع بها , فهو مسؤول عن حالة التردي في التقييم والجودة , مثلما هو مسؤول عن حالة الفوضى التي تسود العلاقة بين الموظف والمواطن والتي تكاد أن تكون قد وصلت الى حد القطيعة , أو اللا عودة .

ونتائج هذين الحالتين هي في تفاعل مستمر سلبي النتائج , وفي غليان ,

والغليان تعقبه نتائج الانفجار عندما لا يوجد متنفس كما هو في الحالة العراقية مع الفساد , أو تعقبه نتيجة التحول من حالة الى حالة أخرى وفي حالة تحول السائل الى بخار نتيجة الغليان , فأن الحالة السياسية والاجتماعية في حالة استمرار الغليان , فأنها قد تتحول من حالة سلمية الى حالة عنفية وذلك عندما لا يحسن قيادتها كما جرى ذلك في انقلاب ” 14″ تموز عام 1958 , أو كما جرى في انقلاب شباط عام 1963 أو كما جرى في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 , على تنوع الفارق بين تلك الحالات , فحالة انقلاب عام 1963 يدخل في اطار المؤامرة المعدة بتقنيات استخباراتية أجنبية وتفاعل الحزبيين الموالين معها لا يمنحها مواصفات التفاعل والتحول السياسي والاجتماعي .وحتى حركة الشواف التي أعقبت أحداث كركوك والموصل الدامية عام 1959 لم ترق الى مصاف التفاعلات والمتغيرات السياسية والاجتماعية لأنها اقتصرت على منطقة واحدة وارتبطت بمفهوم المؤامرة , شأنها شأن تظاهرات المنطقة الغربية هذه الايام التي لم تحظ بمساحة شعبية بامتداد الوطن , والتي لم تسلم من وجود شبهة المؤامرة لوجود تأثيرات العامل الاجنبي .

لهذا كله فالفساد الخفي هو كاريزما الانظمة الفاشلة , والاحزاب المتخلفة ,

والشخصيات التي حملتها عوامل التعرية السياسية وعوامل التلوث الاجتماعي , فأصبح وجودها على سطح الاحداث يرجع لتلك الاسباب , وتصديها معلق على عوامل تلك الحالات التي تقع خارج حساب المعرفة الاجتماعية والتنظيم السياسي .

وأنا أدرك أن هذا التفسير على واقعيته وأهميته في الصدقية , الا أنه غير مفهوم للقواعد الشعبية للوهلة الاولى نتيجة العمل الطويل على تدمير المعرفة ومنظومة القيم لدى الوجود البشري بكل نخبه في العراق والمنطقة ولكن علاقته الوجودية تجعل منه يحظى بمرجعية لا يمكن مغادرتها نهائيا لأن منطق الاشياء حاكم على مواقف الفرقاء في نهاية كل حوار .

وعليه فأن الفساد الخفي هو العدو الحقيقي للعراقيين , وصناعة هذا العداء

يقف ورائه كل المشتركين في حلبة الصراع منذ 2003 والى اليوم وإذا أراد العراقيون الخروج من أتون هذا الاحتقان المهدد بالارهاب ,وبالفساد الخفي الذي سيكون الفساد الاخلاقي آخر جحافله الخطرة , فعليهم تغيير

المعادلة , والمعادلة لا تتغير الا بتغيير المفهوم عن ” الرمز ” و ” القداسة غير الحقيقية ” وهي لغير الله ” وإعادة النظر بمعنى ومفهوم ” الحواضن ” و ” المرجعيات ” لآن طحالب كثيرة وأشنات نمت في هذه المواقع , أن الأحزاب فسدت وتعفنت مناخاتها وتلوثت تنظيماتها , كل ذلك بسبب الفساد الخفي .

فهل من متلقي يعي هذا القول , أم أنه جمرة يخاف حاملها الاحتراق ؟

التعليقات معطلة