المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي
المقدمة:
في هذا البحث ليس مجرد افكار نظرية، بل هو (الانفجار الفكري والمعرفي الأكبر) في هذه السلسلة، نحن هنا نضع يدنا على الجذر المعرفي (الأنطولوجي) الذي يفكك جدلية الدين والسياسة تفكيكاً لم تسبق إليه المدارس السياسية الحديثة ولا الحوزوية الكلاسيكية.
لقد وضنا معادلة عبقرية من فكر اهل البيت عليه السلام: (الدين هو ذات الشيء وفطرته، والسياسة هي فعله وتدبيره).
الهدف من الدرس:
تأصيل العلاقة الوجودية بين الدين (كذات وفطرة للشيء) والسياسة (كفعل وتدبير للشيء)، وبيان كيف تدار ملفات الكون والحياة بناءً على هذه الثنائية المتلازمة في الفكر العلوي.
التمهيد:
عاش الفكر البشري لقرون في صراع مرير حول علاقة الدين بالسياسة، فانقسمت المجتمعات بين (علمانية جافة) تعزل الدين عن الحياة وتعتبر السياسة لعبة مصالح مادية، وبين ثيوقراطية مستبدة تشوه الدين لتبرير قهر الشعوب، هذا التخبط ناتج عن جهل مطبق بحقيقة المفهومين، حيث ظنوا أن الدين مجرد طقوس، وأن السياسة مجرد صراع على كراسي الحكم.
لكن في باطن الحكمة العلوية العميق، نكتشف أن الدين والسياسة صنوان لا يفترقان، لأنهما يمثلان وجهين لحقيقة واحدة: الذات والفعل، فالدين ليس طقساً معزولاً، بل هو (ذات الشيء وفطرته وحقيقته لما هو هو)، والسياسة ليست مناورة، بل هي (فعل الشيء، وتدبيره، وإدارته الميدانية)، هذا التلازم يبدأ من سياسة الله الفاعلة في الكون بالعدل والتدبير، وينعكس على إدارة حياة الإنسان ومؤسساته.
القواعد العشر ومفاتيحها الفكرية:
القاعدة الأولى: الدين كذات وفطرة للأشياء (الهوية الوجودية):
التأصيل الفكري: الدين هو حقيقة الشيء لما هو هو، وبناءً على هذه الذات يُدان الشيء (له أو عليه)، فالدين للإنسان هو فطرته الإنسانية، والدين للنملة هو فطرتها النملية التي تحركها.
مفتاح القاعدة: (تحديد الهوية الباطنية)، الدين هو المسطرة الفطرية والذاتية الثابتة التي تُحدد حقوق وواجبات الكائن بناءً على نوعه وتكوينه.
القاعدة الثانية: خروج ذات الله تخصُّصاً واستحالة الإدراك المباشر:
التأصيل الفكري: ذات الله سبحانه خارجة تخصُّصاً عن المجرّدات والماديات لأنها (لا تُدرك ولا تُحدّ)، فلا تقع تحت تخصص العقول البشرية.
مفتاح القاعدة: (التنزيه العقدي)، العقل البشري يعجز عن الإحاطة بالذات الإلهية، لكنه يدركها عبر بوابة أفعالها وتدبيرها في الكون.
القاعدة الثالثة: فعل الله ومُشخِّصات الإدراك:
التأصيل الفكري: فعل الله هو المجرد الذي يحتاج إلى مشخِّصات ومظاهر مادية ملموسة في الكون والحياة حتى يُدركه عقل الإنسان الواعي.
مفتاح القاعدة: (الاستدلال بالأثر)، أفعال الله الشاخصة في الكون (الخلق، الرزق، النظام البيئي) هي الدليل على حكمته ووجوده.
القاعدة الرابعة: السياسة كفعل وإدارة رابعة للوجود:
التأصيل الفكري: السياسة في جوهرها الوجودي هي (فعل الشيء وتدبيره)، سياسة الله للكون هي فعله المتمثل في التدبير الحكيم وإدارة هذا الوجود اللامتناهي.
مفتاح القاعدة: (التدبير الفاعل)، السياسة ليست عشوائية، بل هي الفعل المنظم الذي يخرج من الذات ليدير الملفات بانتظام.
القاعدة الخامسة: أصالة العدل الإلهي في إدارة ملف الكون:
التأصيل الفكري: سياسة الله في إدارة هذا الكون قائمة على العدل المطلق في قضيته، حيث وضع كل شيء في موضعه المناسب لفطرته.
مفتاح القاعدة: (معيارية العدل الكوني)، إن حركة المجرات، ونمو الخلايا، وسنن الطبيعة تُدار بملف سياسي إلهي عادل لا حيف فيه ولا خلل.
القاعدة السادسة: التلازم البنيوي (الدين والسياسة صنوان):
التأصيل الفكري: إذا كان الدين هو (الذات) والسياسة هي (الفعل)، فلا يمكن للفعل أن ينفصل عن الذات، السياسة هي المظهر التنفيذي لجوهر الفطرة والدين.
مفتاح القاعدة: (وحدة البنية والأداء)، عزل السياسة عن الدين كعزل الجسد عن الروح، ينتج سياسة بلا بوصلة (فساد) ودين بلا فاعلية (خنوع).
القاعدة السابعة: الإدانة الوجودية بناءً على ماهية الذات:
التأصيل الفكري: يدان الإنسان بما هو إنسان (له أو عليه) بناءً على فطرته، وتدان النملة بما هي نملة لها أو عليها.
مفتاح القاعدة: (العدالة التكوينية والتشريعية)، التشريعات والقوانين السياسية يجب أن تطابق الفطرة الذاتية للإنسان (حقوقه، كرامته، احتياجاته المعيشية) لكي تكون شرعية.
القاعدة الثامنة: السياسة كإضافة وإدارة لملفات الحياة بكل تفاصيلها:
التأصيل الفكري: السياسة البشرية المستمدة من المدونة السياسية لآل محمد هي (فعل الشيء) بإضافة الحلول، وإدارة الأزمات، وتنظيم ملفات الاقتصاد، والأمن، والتعليم في الواقع المعاش.
مفتاح القاعدة: (الهندسة الإجرائية)، تحويل قيم الدين الفطرية الباطنة إلى برامج عمل، ومؤسسات، وقوانين تدير تفاصيل حياة المجتمع اليومية.
القاعدة التاسعة: تأديب السيرة كفعل سياسي للذات:
التأصيل الفكري: قول أمير المؤمنين عليه السلام: (وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه) هو تطبيق لقاعدة أن السياسة (فعل القدوة) يجب أن يطابق الدين (ذات القائد ونزاهته).
مفتاح القاعدة: (التطابق السلوكي)، عندما يتطابق فعل المسؤول (سياسته الميدانية) مع ذاته الفطرية (دينه وأمانته)، تكتسب الدولة هيبتها التنموية.
القاعدة العاشرة: الحياة الطيبة كحصيلة لتناغم الذات والفعل:
التأصيل الفكري: عندما تسير سياسة الدولة (الفعل) وفق الفطرة الإنسانية (الدين والذات)، يتحقق الوعد الإلهي بالحياة الطيبة المستدامة التي تنعدم فيها الطبقية والفساد وتتلاشى فيها مطامع الأعداء.
مفتاح القاعدة: (الازدهار الحضاري)، التناغم بين الباطن المعرفي والظاهر الإداري هو سر نجاح الأوطان واستقرار المجتمعات.
التطبيقات التنموية والواقعية (إسقاط على الواقع المعاش):
هذا الفهم العميق يغير بالكامل طريقة إدارتنا للواقع المعاش في مؤسساتنا ومجتمعاتنا:
في تفكيك أزمة العلمانية والسياسات الجافة:
عندما يفهم صانع القرار في العراق والواقع الإسلامي أن السياسة هي (فعل الشيء بناءً على فطرته وذاته الإنسانية)، ستنتهي ثقافة القوانين المستوردة التي تصطدم بفطرة المجتمع وثقافته وقيمه. سننتج (سياسات تنموية نابعة من هوية الأمة) تخدم الإنسان في روحه ومادته معاً.
في إدارة المؤسسات والوظيفة العامة:
إذا أدرك المدير أو الموظف التنفيذي أن دينه هو (ذاته الإنسانية الصالحة) وأن عمله اليومي هو (سياسته وفعله)، فلن يفصل بين صلاته وأمانته في الدائرة الحكومية، سيتحول إنجاز معاملات المواطنين بالرفق والنزاهة إلى فعل عبادي سياسي يطابق جوهر الدين، وتختفي الرشوة والبيروقراطية لأنها أفعال تشوه ذات الإنسان وفطرته الشريفة..
في التنمية البشرية وصناعة الوعي للشباب:
هذا البحث يمثل أقوى حصانة فكرية للشباب ضد الحركات المتطرفة (التي تشوه الدين بالدماء) والحركات التغريبية (التي تعزل الدين عن الحياة)، نُعلم الجيل أن يكونوا فاعلين، مدبرين، سياسيين في إدارتهم لملفات حياتهم واقتصادهم، مستندين إلى النزاهة والورع الفطري (الدين)، ليكونوا (المشخِّصات) الحية لأفعال الحق والعدل على الأرض.


لا يوجد تعليق