شاهدنا قبل بضعة أيام سهرة تلفزيونية فريدة من نوعها، تخللتها لقطات مخابراتية مثيرة، ومواجهات عنيفة وعجيبة لا تخطر على بال الجن الأزرق، كانت السهرة من بطولة السلطان الأردوغان، وكانت أنقرة هي المسرح المفتوح، الذي نُقلت منه عبر الأقمار الصناعية، بيد أن معظم المشاهد واللقطات لم تكن مباشرة، بل كانت مُرسلة إلينا بعد التعديل اللازم للتشويق والإثارة، لم تصلنا الصور الحية، بل لم تصلنا أي صورة حية.  كانت الأخبار مشوشة ومتناقضة ومتسارعة. الجيش يتحرك بدباباته ومروحياته. الجيش يستسلم، وتتساقط مروحياته كما الذباب. أردوغان يهرب مذعورا باتجاه المطار. أردوغان يعود منتصراً بعد فشله في الحصول على اللجوء السياسي. الشعب يرحب بالجيش. الشعب يلقي القبض على قادة الجيش، ويقطع رؤوسهم وآذانهم وأصابعهم. أمريكا تعلن الوقوف على الحياد، والبنتاغون يعطل الطائرات التركية المقاتلة، ويطارد قادة الجيش التركي (من بعيد لبعيد). 
أخبار عن قصف جوي لمبان حكومية، وليست هنالك لقطات حية عن التفجيرات، وأردوغان يتحدث عبر سكايب في جوال مذيعة تركيا من أنصاره، ثم يهبط فجأة ليطارد الجنود، ويصدر فرماناته ضد القضاة والأساتذة ورؤساء المجالس البلدية.
الجيش التركي المتوغل داخل الأراضي العراقية يعود إلى ثكناته. الجيش نفسه يعود إلى العراق ويتخندق في (بعشيقة). جرحى الدواعش يغادرون المستشفيات الأردوغانية. الجرحى يعودون إلى المستشفيات نفسها بعد دقائق من خروجهم منها. 
الدواعش يهرعون لنجدة سلطانهم الذي علمهم مبادئ صناعة الموت والدمار.
انتهى فيلم الانقلاب، وبدأت عروض الأفلام الانتقامية المباشرة على الطريقة الأردوغانية، بينما انشغل الإعلام الخليجي بتبادل التهاني والتبريكات مع الكيانات الأردوغانية (الأخوانية) المزروعة في أرجاء الوطن العربي، في حين راح رجال الدين يطلقون الفتاوى الداعمة للنظام المهزوز.
فجأة اختفت أزمات الشرق الأوسط من شاشات الفضائيات العربية، وتوجهت أنظار العواصم العربية نحو أنقرة، وكأنها تريد العودة مرة أخرى إلى حاضنة لسلاطين الإمبراطورية العثمانية، فكيف فشل الانقلابيون في غضون سويعات فجرية كانت تركيا تغط فيها في نومها العميق ؟، أيعقل أن يفشل قادة الجندرمة في التدريب على أبسط تمارين التآمر، التي ابتكرها (مراد علمدار) في مسلسلاته التآمرية المثيرة للجدل ؟، ألا يعني هذا أننا كنا نعيش تفاصيل مسرحية مقتبسة من الدراما التركية بطلها السلطان (أردوغان علمدار)؟. وربما يكون بطلها (هاكان فيدان)، الذي يترأس الآن جهاز المخابرات التركية.  يقول عنه السفير الأمريكي (جيمس جيفري): (علينا أن نستفيد من مهاراته في التآمر، فهو مراوغ من الطراز الفريد)، ويقول عنه مدير المخابرات التركية الأسبق (إيمري أوسلو): (أنه أقوى من الرئيس عبد الله غول نفسه).

التعليقات معطلة