وفاء نبيل
كنا ليلة العيد لا ينام منا أحد، البيت نظيف، وكل ركن فيه يلمع، المطبخ مزدحم بالحلويات، الترمس المنقوع، والحلبة المنبتة، الصغار يدورون في الحجرات بعد أن امتدت إليهم يد الأمهات بلمستها السحرية ، فنظفتهم وطيبتهم بعطور ثمينة كانت تهدى إليهن فقط من الأقارب المسافرين، فيحافظن عليها ككنوز لسنوات طويلة، نعرف شذاها جيدا في كل المناسبات.
البنات الصغيرات يرتبن ملابسهن الجديدة، وأحذيتهن الملونة بألوان الفرحة ويتأكدن مئات المرات أنها تتفق مع ألوان شرائط شعرهن الملفوفة منذ ساعات لفردها فى الغد، على شكل ذيول أحصنة سمراء وبنية، يداعبها هواء صباح سعيد.
الأولاد والشباب منتشرون بالشوارع، كي لا ينام كائن حي في مثل تلك الأمسيات الاستثنائية من كل عام.
زحام داخل وخارج دكاكين الحلاقين، وضحكات فتية عالية تمس قلوب فتيات يرقبن المشهد بخجل من الشرفات.
أبواب المساجد مشرعة للرجال من بعد صلاة العشاء يجهزون الحصير الأخضر بعد أن غسلوه قبلها بيوم واحد، يفرشون به الأرضية، ويرصون فى الجوانب مقاعد لكبار السن والمرضى الذين يحرصون رغم تعبهم على حضور صلاة العيد.
تنفلت صوت تكبيرة بنبرة طفولية مداعبة بأحد مكبرات الصوت بمسجد قريب، حينما يأتى عامل الكهرباء للتأكد من كفاءة مكبرات الصوت قبل مهرجان الصباح ، فيتقافز الأطفال حوله يتبادلون النداء على بعضهم البعض بالاسم فرحين، حتى ينهرهم عامل المسجد، فيمتثلون للأمر كاتمين ضحكاتهم التي تنتظر انشغاله، لمعاودة النداءات. ساعة تمر أو ساعتين، تخلو الشوارع قليلا، من لا يعرف أحوالنا يظن أن الناس سينامون !!
لكنه صباح العيد، تبدأ الشوارع النظيفة تتلقى قاصدي المساجد، يخرج الرجال والشباب والأطفال فرادى وجماعات، في جلابيبهم البيضاء المكوية الزاهية، كزهور ياسمين ألقتها السماء بسخاء في شوارع بلدة رضي الله عنها.
تتهادى تكبيرات العيد من كل المساجد المجاورة، تتنافس الأصوات الجميلة ترد على بعضها، شباب يقفون على رؤس الشوارع يهدون الصغار أكياس الحلوى والبالونات، ويطيبون بالمسك كفوف الرجال .
هرج جميل محبب إلى النفس، وزحام سعيد أدام الله علينا نعمته، دقائق، وما أن يعلو صوت الأمام، ينتظم الجميع لتبدأ صلاة العيد ..
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا
لا إله إلا الله
كل هذا الجمال لم يسلم من عامل الزمن كغيره من كل الأشياء التي تتغير بمرور الوقت، لذلك علينا أن نتمسك بكل قوة بأي جزء جميل تبقى لنا منه. أشتروا ملابس جديدة لكل عيد، حتى ولو قطعة واحدة بمبلغ بسيط، فقط من أجل هذا اليوم، زينوا البيوت ونظفوها وغيروا أماكن الأثاث، أشتروا للأولاد الصغار جلابيب بيضاء ليصلوا بها العيد معكم، تبادلوا تلقى “العيدية” ولو بمبالغ بسيطة جدا لمن لايقدر، فقط لإحياء هذه الأفراح الجميلة في ذاكرتنا، احيوا معا أشياء جميلة كانت ولا زالت تسعدنا عندما نذكرها.

