يذهب علماء الاجتماع ويتفق معهم أهل السياسة وهذا ما تبنته النظرية الماركسية كذلك ، ان الانتقال من مرحلة إلى مرحلة خاصة بعد الثورات العظمى أو الانقلابات الكبيرة التي يشهدها العالم لايعني ان البشرية قد تجاوزت آثار المرحلة السابقة مئة بالمئة لصالح المرحلة الجديدة فهناك على الدوام مساحة من القديم وأفكاره وقيمه وسلوكياته تبقى محافظة على وجودها في ضل الجديد وتقاتل بشتى السبل من أجل الحفاظ على هذا الوجود ولذلك تقف في أحيان كثيرة حجر عثرة أمام التحولات الجذرية بل قد يصل الأمر بها إلى حد التآمر ومن هنا تحتاج الثورات والانقلابات التاريخية إلى شيء من الزمن والانتظار حتى يتراجع الماضي لصالح الحاضر عبر العديد من الاصلاحات والاجراءات ،وهذا مارأيناه على سبيل المثال لا الحصر بعد الثورة المحمدية السامية على مجتمع قريش والجزيرة ، وهو مالمسناه كذلك بعد الانتقال من المرحلة الاقطاعية إلى المرحلة الصناعية ، فقد ظل القديم وأعرافه وتقاليده متشبثا بجذوره ، وفي الأحوال كلها فإن مساحة القديم تبقى محدودة وضيقة ، وتتلاشى شيئا فشيئا بمرور الوقت إلى ان يخبو صوتها وتتكيف مع الأوضاع الجديدة .
ما حصل بعد 2003 لا يخرج عن هذه الصورة ، فقد أريد للتغيير كما سمعنا ان ينقل العراق نقله نوعية جبارة من عهد الدكتاتورية ومفهوم (القائد الضرورة) إلى عهد الديمقراطية والقيادة الجماعية والتبادل السلمي للسلطة ، وكان من الطبيعي ، بل والطبيعي جدا – على حد تعبير الحكومة والمسؤولين الجدد – ان تتسرب الكثير من سلوكيات وظواهر المرحلة السابقة ، وتحاول الدفاع عن وجودها واستمرارها ، وتستشهد الحكومة وكبار مسؤوليها بالفساد المالي والإداري والرشوة والبطالة ، وأزمة الماء والكهرباء والسكن ، والمشكلات التي لا تنتهي مع دول الجوار وسيادة نظرية المؤامرة وعدم الاعتراف بالآخر ، وقائمة طويلة من المظاهر السلبية تقول عنها حكومات ما بعد 2003 بأنها من مخلفات المرحلة السابقة ، وسياسات النظام الشمولي ، ولا تمر مناسبة – أحيانا بدون مناسبة – إلا وتعهدت حكومات ما بعد 2003 بأنواعها ، سواء القائمة على المحاصصة أم التوافق أم الشراكة ، بأنها ستضرب بيد من حديد وتقضي على هذه المظاهر السلبية ، وربما في غضون العشرين أو الثلاثين أو الأربعين سنة المقبلة ، سيقف العراق على قدميه سليما معافى ، ونحن – اعني الشعب العراقي – نثق بتصريحات ووعود حكوماتنا الوطنية ، ونتفق كذلك معها ، ان المرحلة السابقة أورثتنا الكثير من متاعبها ، وهي تحاول البحث عن موطىء قدم ، وتدافع بشراسة عن هذا الموطىء ، وهو أمر إتفق عليه علماء الاجتماع والساسة والماركسيون كما سبق القول ، ولكننا – اعني الشعب العراقي – لم نفهم ، ومن ابسط حقوقنا ان نفهم ، لماذا أصبح لدينا بدل القائد الضرورة الواحد ألف قائد ، وهل ترك صدام حسين من بعده ذرية كل واحد فيها يحلم أن يكون صدام المرحلة الجديدة ؟!.