لسنا ممن يرون في النوم مضيعة للوقت، مثل العبقري الكبير (ليوناردو دافنشي)، الذي كان يكتفي بالنوم لمدة عشرين دقيقة كل أربع ساعات، ولا مثل (نابليون بونابرت)، الذي كان ينام أربع ساعات في اليوم وحسب، ولا من الذين يسهرون الليالي طلبا للمعالي، فنحن لا ننام والسلام.ولسنا من الأقوام المستقرة، التي ترى في النوم محطة ليلية للاسترخاء، وفرصة لاستعادة طاقات البطاريات الحيوية في أجسامهم المتعبة، وإعادة شحنها معنوياً وبدنياً، كي يستيقظوا في الصباح الجميل، ويسعوا في مناكبها بعضلات قوية، وأرواح مفعمة بالنشاط، فنحن لا ننام والسلام. ولسنا من أبناء مدينة (سالونيكا) اليونانية، المدينة التي لا تعرف النوم. ولا من أبناء (هونغ كونغ) الساهرة على أضواء القناديل، ولا من المدن الصاخبة التي لا ترقد بالليل، ولا تهدأ بالنهار كطوكيو، وبيروت، وباريس، والقاهرة، فنحن لا ننام والسلام.ولسنا من النماذج البشرية الرقيقة، التي تخشى الكوابيس، وتنزعج من الأحلام المرعبة، ولا من الأقوام التي تخاف من العفاريت والجن، ولا من الأقوام التي يقلقها الأرق، فنحن لا ننام والسلام.
ولسنا من الجماعات التي تهوى السهر على ضوء القمر، ولا من رواد الملاهي الليلية، الذين ينامون النهار ويستيقظون حتى الصباح في الليالي الملاح، فنحن لا ننام والسلام. ولسنا من الذين غادر الكرى جفونهم حزنا وكمدا على فراق الأحبة، فنحن نعيش خارج التغطية، غرباء في أوطاننا، تعساء في ديارنا منذ زمن بعيد، ونرزح خلف قضبان سجن كبير، ولا ننام بسلام.
ولسنا ممن يحرسون بيوتهم وممتلكاتهم في الليل، تحسبا لهجمات اللصوص والغزاة والحرامية، فنحن لا نملك من حطام الدنيا شيئا، ولصوصنا يسرقون في النهار، لكننا لا ننام والسلام. ولسنا هنا بصدد الحديث عن رواية جديدة مكملة لرواية إحسان عبد القدوس (لا أنام)، لكننا أردنا التلميح عن بعض فصول مأساتنا النابعة من واقعنا المر المعاش، بعد أن طار النعاس من عيوننا، وصرنا لا نعرف النوم بالليل ولا بالنهار، ولا ننام مثل بقية الكائنات من الجن والإنس في أقطار السماوات والأرض، ربما لأنهم يتفوقون علينا حضارياً في المعايير الكهربائية والأمبيرية والفولتية، وعندهم فائض كبير في الميغاواطات، فلا تتعجبوا ولا تندهشوا، فنحن لا نهجع ولا ننام، وانقطعت علاقتنا بالسرير والفراش، ونسينا شكل المخدة، وصارت عندنا مناعة ضد أقراص الفاليوم. . أما إذا أردتم أن تعرفوا لماذا لا ننام فيكفي أن نقول لكم أننا نبكي في الظلام، ونضحك في الظلام، ونأكل في الظلام، تشوينا حرارة الصيف، تكوينا رياح السموم، نتقلب في العراء فوق سطوح منازلنا ذات اليمين وذات الشمال، حتى تيبست جلودنا، وضعف عودنا. نمارس منذ زمن بعيد رياضة الحرمان، نهرع كل ليلة إلى محطات التعبئة لنتزود بوقود تشغيل مولداتنا المنزلية، التي تمثل عندنا الخط الاحتياطي الأول، ثم نشترك كلنا في صيانة الخط الاحتياطي الثاني للمولدات الجماعية المبعثرة في الأحياء السكنية، والتي ندفع أجورها من مدخراتنا الخاصة، أما الخط الاحتياطي الثالث فهو خط تجهيز الكهرباء الوطنية، التي فقدت وطنيتها، وخذلتنا في هذا الصيف الملتهب. نمضي الليل كله في يقظة تامة، استعداداً لتحويل خطوط الكهرباء من خط إلى خط، نتقافز كما القطط من ركن إلى ركن، ومن مولدة إلى أخرى، وسط غابة من الأسلاك المتشابكة المزروعة في بحر هائج من الضجيج والأزيز والصخب والدخان. وها نحن نرضع من الوعود ثدي عقيم، ونركب من الأمل ظهر بهيم، فهل من كريم يجلو عنا الكابوس، ويزيح عن كاهلنا قيود النحوس، ويعيد البهجة إلى هذه النفوس. . .
واحَسْرتاهُ متى ننام
فنحس أنّ على الوسادة
من ليْلك الصيفي طَلاً
فيه عِطرُك يا عراق