اتسعت رقعة الكرخ البغدادية قرابة 75 ضعفا عما كانت عليه في بداية العقد الخمسيني من القرن الماضي ، ويكفي القول ان حدودها كانت تنتهي عند المحطة العالمية ، فلا وجود لاحياء المنصور والبياع والطوبجي والرسالة والشرطة والاعلام والشباب والعامل وغيرها الكثير من الاحياء السكنية القائمة حاليا ، وكانت الكرخ في تلك الحقبة عبارة عن مجموعة من المحلات الشعبية المتداخلة ذات المساحات الصغيرة ، وكنت اسكن يومها في محلة الرحمانية ذات البيوت الطينية والشوارع الترابية.
وكانت تلك الشوارع تمثل ساحة كرة القدم التي نلعب فوقها بدشاديشنا حفاة ، قبل ان يبزغ اسم لاعب يدعى (سلمان داود) ، يكبرنا بسبعة اعوام او ثمانية ، كان ساحرا مبهرا اكثر منه لاعبا (في وقت لاحق اصبح احد لاعبي المنتخب العراقي) وقد تولى هذا الفتى تشكيل فريق رسمي منظم للمحلة ، حيث اصبحت لدينا كرة حقيقية من تلك الكرات التي تلعب بها الاندية ، وانتقلنا من اللعب في الشارع الى ساحة نظامية الابعاد خارج المحلة وتعلمنا على يديه عبر التدريبات اليومية معنى التسسل والرمية الجانبية والضربة الحرة المباشرة وغير المباشرة والاخطاء العشر والمكاتفة القانونية ولكن اهم درس تلقينا هو تركيز على ضرورة الجمع بين (المهارة الفردية واللعب الجماعي) من دون تغليب احدهما على الاخر وقد برز من اعضاء الفريق يومها اللاعبان المتميزان واذا لم تخذلني الذاكرة ، فان الاول اسمه جواد والثاني اسمه اياد وكلاهما يلعب في مركز قلب الهجوم او ما يطلق عليه راس الحربة !
كان سلمان يجمعنا قبل كل وحدة تدريبية ويحدد لنا المهمات والواجبات ثم يجتمع بنا بعد الوحدة ، ويواجهنا باخطائنا واحدا واحدا ، ولم يكن يخفي اعجابه الكبير امامنا بقدرات جواد واياد ومهاراتهما الفردية العالية وانهما يبشران بمستقبل كروي متميز .
ومع ذلك كان ينقدهما بشدة ولا يتوانى عن تعنيفهما [ياجواد لقد اضعت اليوم خمسة اهداف محققة للفريق] ، لانك استاثرت بالكرة وحدك ولم تحولها الى عادل او اياد او احمد وقد كانوا في مواجهة المرمى من دون رقابة لماذا كل هذه المراوغة التي ادت الى قطع الكرة من دفاع الخصم؟ وهذا أمر طبيعي وبالتالي فانت سبب الخسارة] ثم يلتفت الى اياد [اما انت فاضعت عن الفريق اكثر من هجمة منظمة كان يمكن ان نخرج معها بعدد كبير من الاهداف ، لانك متعجل وتندفع الى الامام بسرعة قبل حركة الكرة وبالتالي تقع في مصيدة التسلل وتضيع الهجمة احملك مسؤولية الخسارة] والحق فقد استطاع المدرب بمرور الوقت ان يصل معهما الى نتائج مثمرة .
لا اذكر المدة التي امضاها سلمان معنا حيث قرر الرحيل الى مكانه الطبيعي ، لاعبا في احد الاندية الكروية ، واشهد انه ترك ورائه فريقا شعبيا عليه العين ، استطاع الفوز على اغلب الفرق الشعبية العريقة ، ومع رحيله بدأت المشكلة فقد عاد اللاعبان المتميزان الى اسلوبهما القديم احدهما يراوغ ويستأثر بالكرة ، والاخر يتعجل ويقع في مصيدة التسلل ولهذا بدا فريقنا يتعرض لخسارات متلاحقة فمن اصل ثماني مباريات خسرنا سبعا وتعادلنا في واحدة.
وهكذا اخذ اللاعبون بالانسحاب التدريجي وفقدنا جمعهور المشجعين و آل مصير الفريق الى التفكك وعدنا نلعب في الشارع و في حدود علمي وذاكرتي ان (جواد واياد) اللذين تنبأ لهما سلمان بمستقبل كروي كبير تراجع مستواهما ، واعتزلا اللعب قبل ان يبلغا سن الرشد !!