لكل دولة سجونها, ومثلما لا بدّ من الحكومة حتى أن كانت غير عادلة, كما هو مقرر في الفقه الاسلامي الذي يعد الحكومة ضرورة شرعية، كذلك السجون ضرورة تنظيمية تربوية, فهل سجون العراق تنحى هذا المنحى؟ أين تقع سجون العراق من السلم التنظيمي للدولة والمجتمع؟ وأين تقع سجون العراق من المستوى التربوي الذي كان هدفا لفكرة السجون التي ولدت اضطرارا, والضرورات تبيح المحظورات، من يستطيع الحديث عن سجون العراق بمسؤولية تبرئ الذمة في الدنيا والآخرة؟

أين وصلت سجوننا من حيث وضعها التنظيمي والإنساني والمدني مما وصلت إليه السجون لدى بعض الدول التي تحترم الإنسان؟

في السويد مثلا أصبحوا يسجنون المدان في بيته.. ثم تقوم المؤسسات بزيارته, وتقدم له الصحف والمجلات.

في التجربة الاسلامية كان القصاص حياة للناس وللمجتمع ولم يكن تشفيا وحقدا وحرمانا “ولكم في القصاص حياة يا أولي أللباب” نعم تم التجاوز لاحقا على سمات وأخلاقية ذلك التوجه, فأصبحت السجون مطامير مظلمة, وزنزانات تمارس فيها الوحشية والسادية وهتك الأعراض والحرمات وتصادر فيها الكرامات, حتى أصبحت السجون رعبا ينغّص على الناس أمنهم , ويفسد حياتهم ويحولها الى كبت دائم أو الى تملق وتزلف يسعى لتفادي المنزلقات التي تؤدي الى السجن، وليس ببعيد عنا مرحلة 1968- 2003 حيث أصبحت السجون مكانا لاستباحة الكرامات , والأعراض, وتشويه المعتقدات, وزرع الكراهية والحقد, وتخريج اللصوص والمنحرفين, والقتلة حتى أصبحت سجون تلك المرحلة من عوامل ألانفصام بين الحكومة والشعب, وبين الدولة والمجتمع, وما نعيشه اليوم من هذا ألانفصام أنما هو إفراز تميزت به تلك المرحلة وأخذت حصة ألأسد, مع وجود شراكة يجب أن لا تنسى للمراحل ألأخرى، ولنا أن نسأل السؤال الموجع ما دور الحكومة اليوم في ذلك المسلسل الذي صنع الكراهية والانفصام بين الحكومة والشعب فيما مضى؟ والجواب لا ينتظر طويلا, بل سيكون حاضرا وهذا ما كنا لا نتمناه على الشكل الآتي:-

1 –  سجون غير مؤهلة تنظيميا

2 –  سجون غير مصنفة قانونيا

3 –  سجون عشوائية إنشائيا

4 –  سجون متخلفة إداريا

5 –  سجون غير مؤهلة صحيا

6 –  سجون غير مؤهلة تعليميا

7 –  سجون تستباح فيها الأخلاق

8 –  سجون تمارس فيها النزوات

وسأكتفي بهذا القدر الموجع والمؤلم والمقزز من التصنيف والفرز الذي لم نكن نتمناه, ولكننا وقعنا في وحوله وفضائحه التي أخذت تتسرب عبر نزلاء السجون الذين وضعوا خطأ في تلك السجون، وعبر مشاهدات من نثق بهم ممن تجعلهم ظروف عملهم ومناسبات الخدمة في تلك السجون أن يشاهدوا عن قرب ما يحدث في تلك السجون وهو مما يشيب له شعر الرأس كما يقولون ومما يدخل الكمد والحزن والأسى على ما نحن فيه من سجون, تكشف عوراتنا وتدحض شعاراتنا, وتميت أحلامنا, وتفسد حياتنا, حتى يتحقق فينا وعلينا قول من قال: لو مات المرء أسفا ما كان به بأس.

في سجوننا أمراض مزمنة من دون علاج، في سجوننا أمراض معدية أذا عولجت تعالج بغير استطباباتها، في سجوننا أحداث يتعرضون الى ما كان يفعله قوم لوط الذين نزل عليهم العذاب وهم مصبحون لاهون يستبدلون شهوة النساء بشهوة الرجال، في سجوننا خليط من الإرهابيين, واللصوص, والمدانين بمختلف عناوين العقوبة، وفي سجوننا أبرياء دفعتهم تقارير المخبر السري من دون تروي الى غياهب السجون ومن دون وجه حق ونحن جميعا مسؤولون عن هذه الظاهرة, مثلما أننا مسؤولون عن غيرها، في سجوننا ضعف أمني كان سببا لهروب العشرات من قتلة الشعب العراقي، في سجوننا عبث أمني وتخريب وطني يساوي المجرم بالبريء، في سجوننا ترهل أداري هو من أسباب الفوضى فيما يحدث، في سجوننا طعام ملوث برغم ما تنفقه الحكومة على الطعام، في سجوننا ينعدم التخصص في الحراسات , والإدارات, والإشراف, والتبليغ, والزائرين الصحيين, وفي كل شيء يتعلق بشؤون السجن والسجناء.

في الختام الحكومة الديمقراطية تعرف بسجونها وكيف تعاملها والحكومة العادلة تشهد عليها سجونها, والحكومة الشرعية لا تنسى سجونها، والمجتمع المتحضر يعرف بسجونه وأدارتها وتنظيمها، والذين يتعاطون الشأن الديني والروحي لا يبتعدون كثيرا عما يجري في السجون ليتحملوا مسؤوليتهم الشرعية، والأحزاب المتحضرة تعد السجون والسجناء جزءا من اهتماماتهم , وكذلك منظمات المجتمع المدني، والبرلمانات الوطنية تراقب عن كثب حالة السجون والسجناء، فهل نحن على هذه الشاكلة.. أم كل يغرد على ليلاه؟.

مع الاعتذار ممن يقرأ هذا ويتألم من صدمة الحقيقة ووخز الضمير.

التعليقات معطلة