اغلب الظن انه أيلول 2003 اي بعد خمسة أشهر على الاحتلال ، او دون ذلك حين اتخذت إحدى الوحدات الأمريكية من ساحة فارغة لا تبعد عن منزلي أكثر من خمسين مترا ، ثكنة عسكرية او نقطة سيطرة لجنودها وكانت تلك الوحدات تكبر مرة بمعداتها وأفرادها مرة وتصغر مرة أخرى على وفق الضرورات الأمنية فيما يبدو وكانت الطريق الى مقر عملي تحتم علي المرور قريبا منها لا يفصلني عنها سوى مترين وهذا ما جعلني القي تحية على الحراس مرتين كل يوم  في طريق الذهاب والإياب ولا ادري حقيقة هل كنت القي التحية عليهم لان  (السلام لله )  وأنا رجل مسلم أم من باب الخوف ، ولكن الذي لفت انتباهي ان الضابط الأمريكي المسؤول عن الوحدة ، وهو برتبة عسكرية عالية كان يرد على تحيتي بأحسن منها وشعرت انه يوليني اهتماما غير اعتيادي ، وصدق شعوري فقد استوقفني يوما وصافحني بحرارة وقدم نفسه على انه العقيد فلان (كان يتحدث بلغة عربية ركيكة جدا ) وسألني ان كانت (المحلة) تحتاج الى خدمات فأجبته بلهجة جافة ( البلد كله تعبان) وقبل ان انصرف رأيت من أصول الضيافة العراقية ان ادعوه الى وجبة غداء وسيعتذر الرجل بلطف وما أتحسب له ولم يخطر على بالي ، انه وافق على الدعوة ورحب بها ، بل وتمنى ان يكون الطعام عراقيا ، وخاصة تلك الأكلة المسماة (الرز الإسلامي او الرز المحجب ) التي لم اسمع بها من قبل ، وبعد حوار طويل فهمت انه يقصد ( الدولمة ) ! 

ورطة ما بعدها ورطة ، فإذا دخل الرجل الأميركي فسوف يتهمني بالعمالة من يتهمني وإذا تهربت من الدعوة فأكون قد أسئت  الى الضيافة العرقية إساءة لا تغتفر ، ونحن العراقيين لم يبق لدينا مانعتز به ونباهي شعوب الأرض غير كرم الضيافة وهكذا عشت صراعا مريرا قبل ان انتصر للضيافة وشرفها الرفيع حيث قلت لنفسي ( ماذا يضيرك ياحسن العاني ،هل أنت العميل الوحيد في البلد ثم ان العمالة باتت تهمة مشرفة )!في الموعد المحدد هيأت مائدة امبريالية ضمت الأكلات العراقية جميعها حتى القديمة والمنسية منها وقد ذهل الرجل مما رأت عيناه وسألني ان كنت دعوت أهل المحلة الى الوليمة فأوضحت له بأنه المدعو الوحيد ولكن هذه هي طباع العراقيين في إقامة الولائم حتى لو كان المدعو شخصا واحدا وفجأة مد الرجل يده في جيبه واستل ألف دولار وقال لي ( سيدي أرجو قبول هذا المبلغ البسيط ثمن غذائي ) ، وفي الحال دفق الدم العراقي في عروقي وانتفضت خلايا جسدي وقلت له ( لو كنت ابن عشائر وتعرف الأصول ، ولو لم تكن أجنبيا لطردتك من بيتي وطالبتك بالفصل العشائري لان ما قدمت عليه اهانة كبيرة )، واعتذر الرجل اعتذارا كبيرا !

تبادلنا أحاديث كثيرة قبل الطعام وعلى المائدة وبعد الغداء وكنت بين الحين والحين الاخر اسأله ( لقد مضى على وجودكم في العراق قرابة خمسة أشهر ، وهذه مدة طويلة جدا فمتى تنسحبون ؟!) وكان الرجل بذكاء يحسد عليه (يتملص) من السؤال ويناور ويتحدث عن إعجابه الشديد بالشعب العراقي وأخلاقه وكرمه وحسن ضيافته وعن عاداته وطقوسه الظريفة ورقصاته الفلكلورية الممتعة ، ولكن اغلب أحاديثه انصبت على جمال العراق وطبيعته الساحرة والزاخرة بكل شيء انهار وعيون وجبال وأهوار وسهول وصحارى وبساتين نخيل وفاكهة ونفط وفوسفات وثروات معدنية واسماك سياحية وألف ليلة وليلة ، العراق باختصار ( جنة الله على الأرض ) ، ومع ذلك أعدت عليه سؤالي وهو بالانصراف عن موعد انسحاب القوات الأميركية ….. صافحني الرجل وهو يبتسم وقال لي ، (أليس من الجنون يا سيدي ان يغادر الانسان الجنة ؟!) كان ذلك في أيلول 2003 وكان الرجل على حق !!  

التعليقات معطلة