منذ طفولتي وحتى بلوغي سن المراهقة ومرحلة الشباب، وأنا احسد وجهاء عشيرتي حسدا علنيا لا غبار عليه، وأتمنى لو كنت واحدا منهم، فهذه المجموعة من الرجال وحدها من يحق لها الجلوس في صدر المضيف الى يمين الشيخ ويساره، ووحدها القادرة على الكلام وإبداء الرأي في حضرته والاستئثار بتناول الطعام (الفاخر) معه!

اما وقد حصلت على الشهادة الجامعية، وأصبح اسمي يظهر في الجرايد، وقاربت السبعين من العمر، فقد اوجب العرف العشائري ان أكون واحدا من الوجهاء، وهذا ما حصل فعلا، بل أصبحت وجيها بامتياز، لان اغلب وجهاء عشيرتنا لا يحسنون القراءة والكتابة، ولا تظهر أسماؤهم في الجرايد إلا في حالة الوفاة! 

بدأت احضر الى المضيف بصورة يومية واتخذ مقعدي الى يمين الشيخ مباشرة، ولكنني بمرور الوقت اكتشفت ان الوجيه لا يساوي فلسين، فمع الامتيازات الظاهرية التي يتمتع بها، إلا ان الأمر والنهي والحل والربط والكلمة النهائية، هي للشيخ وحده من دون الآخرين، وانه صاحب القرار الملزم الذي لا يرد، وليس أدل على ذلك من الموقف الذي تعرضت له، فذات مساء، قبل الانتخابات السابقة بأشهر قليلة، اصدر لي أمراً مفاجئاً بالترشيح الى البرلمان ولم يسمح لي بالرفض او الاعتراض، على الرغم من أنني أوضحت له، ان من شروط النائب التقليدية، ان يجيد فن التآمر لاسقاط المقابل وانا مثل الاطرش بالزفة في ميدان المؤامرات، ولكن من دون جدوى، فقد وضع يده على شاربه وقال [سأحلقه اذا لم اضمن لك الفوز] ويبدو ان الحماسة اخذته بعيدا عندما وضع يده على شاربه للمرة الثانية وقال [سأحلقه وارتدي عباءة النسوان، ان لم اضمن لك منصب رئيس الحكومة]، وتحدث طويلا عن منزلته وعلاقاته وتحالفه، ولان منصب رئيس الحكومة أصبح في الجيب، فقد أمرني ان أهيئ قائمة بوزراء الحكومة واعرضها عليه، ولم يكن أمامي سوى الطاعة انسجاما مع العرف العشائري!!

وعكفت على اختيار افضل العناصر الوطنية المستقلة وغير المستقلة، وأعلاها شهادة وأكثرها كفاءة ونزاهة، إلا انه رفض التشكيلة، مثلما رفض التشكيلة الثانية والثالثة من دون ان يذكر سببا، وهيأت التشكيلة الرابعة وانا حريص على الثوابت نفسها (الوطنية والشهادة والكفاءة والنزاهة) وقررت ألا أتراجع عنها مهما كان الثمن، وحين عرضتها عليه، قرأها بسرعة، وقام على الفور بتمزيق القائمة وهو يصرخ في وجهي [لايوجد وزير واحد من عشيرتنا، ولا من المتحالفين معنا، ماذا أقول لهم، النضال علينا والسلطة لغيرنا؟!]، أجبته [لم نصل الى السلطة لتوزيع المناصب، وإنما لاختيار العراقيين القادرين على خدمة الناس]، وألقيت محاضرة إنشائية طويلة عن أهمية العناصر الوطنية الكفوءة، وهذا يغلي غضبا، وقبل ان يطردني من المضيف كما يقضي العرف، غادرت المكان، وأعلنت براءتي من العشيرة، وشعرت للمرة الأولى بأنني حر، وقادر على اتخاذ القرار الذي لم اقنع به، وعلى تشكيل حكومة مثالية، ولكن المشكلة، إنني منذ اللحظة التي أصبحت فيها حرا، لم يكلفني احد بتشكيل شيء، حتى لو كان منتخبا للأشبال!!

التعليقات معطلة