عصور طويلة جدا جدا من الاستبداد، عصور طويلة جدا جدا من الجوع والفاقة، ربما منذ يوم ان صار لنا وطن اسمه العراق، وربما قبل ذلك بكثير، حتى راح العراقي يسائل نفسه: أيكون قدره الأبدي أن يظل هكذا؟ ام انها لعنة ألآهية ليس له من خلاص من حكمها؟ 

والمفارقة العراقية الغاصة بالمرارة تتبدى مرة كملهاة، جائع ومحروم يعيش على اغنى واخصب ارض في العالم…، ومرة تتبدى تلك المفارقة كمأساة، بريء مكتمل البراءة كطفل رضيع، عاشق لكل نبضة في قلب الحياة، وفي رمشة عين تتطاير أشلائه في كل الانحاء…

لابد من الاعتراف، أن لهذه القسوة المفرطة في وحشيتها فعل مدمر للاحساس بالمواطنة، بتنا نسمعه ونراه، بل ونلمسه ايضا، في البيت والعمل والشارع، فالجميع يعاني شعورا طافحا بالاحساس بالفجيعة، فهو مخذول على الدوام من انتماء (أولي الأمر) لآلامه وأماله، بل غالبا مايلعبون دور الطاعن لأنسانيته والقاتل لابسط ومضة أمل بالغد لديه، الامر الذي راح يغذي ويكرس، أشد فأشد، اغترابه في بيته – وطنه. السياق الطبيعي والمنطقي في تجارب الامم والشعوب انها تتفاعل فيما بينها، تلفظ الحالات المنتجة لخساراتها وتستفيد من الحالات المنتجة لرقيها وتقدمها، تتجاوز انتكاساتها بتمثل نجاحات الامم التي تقف وإياها على نفس الحيثيات، والعراق يقف على حيثيات مشتركة كثيرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي من ابرز ملامح تجربتها (السيا أقتصادية) بالنسبة لمواطنيها انها ظلت امينة على تحويل حصة كبيرة من ارباحها المتنامية الى وفرة عالية من الخدمات العامة لشعوبها، ومن ضمن تلك الخدمات المستويات العالية من الضمان الاجتماعي التي بات ينعم بفضائلها المواطن الخليجي، على الرغم من طبيعة اقتصاديات تلك الدول الموصوفةب(الريعية) اي انها اقتصاديات احادية تمارس موازناتها العامة تخطيطا وتطبيقا على وفق حجم عائداتها من صادراتها النفطية، في الوقت الذي تتعدد مصادر الدخل القومي في العراق، على الرغم من شللها الراهن، والتي كانت الى زمن قريب نسبيا تمتلك فاعلية نسبية سيما في قطاع التصدير للمنتجات الزراعية على سبيل المثال لاالحصر، كما ان مستوى الاستثمار المتدني في القطاع النفطي العراقي زاد الطين بلة، حيث مازالت صادراتنا النفطية لاتتناسب وحجم الاحتياطي الضخم الذي نملكه، على الرغم من جولات التراخيص وبالقياس مثلا لحجم الصادرات النفطية السعودية البالغة(12) مليون برميل يوميا، علما ان العراق والسعودية يقفان على عتبتين متقاربتين في حجم احتياطاتهما النفطية.. لانريد من خلف ايراد هكذا معلومات وارقام تهويل حجم المفارقة المرة التي تلقي بضلالها الثقيلة على حياة العراقيين حد الوصول الى حالة اليأس والقنوط، بل يوجد دائما هناك متسع للعمل، ولعل المقترح القائل بحساب سهم لكل عراقي وعراقية وبغض النظر عن عمره اوجنسه، من عائدات النفط والعائدات الاخرى، ووضعه في حساب الاستثمار ضمن آلية الموازنة العامة، ودفع فوائده السنوية نقدأ اوخدمات مباشرة او غير مباشرة، لعل هذا المقترح بحاجة الى التفاتة جادة من لدن المعنيين.. كيما لايعود المواطن الى الاعتقاد بان مواطنته غدت وبالا عليه، وكيما لايشعر بشعور العيس التي يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.. واخيرا يمكن للذهب الاسود ان يسهم بصنع ايام بيض قابلة للتحقق….  

التعليقات معطلة