لا أكاد اعرف رجلا مثل أبي، أطال الله عمره، سريع الغضب، سليط اللسان، عنيفا لا يتوانى عن المحاججة والملاسنة واطلاق الشتائم القاسية على نفسه وأبنائه وأهل بيته وعلى آخرين، ولا اكاد اعرف رجلا مثله رقيق القلب يبكي لو ذبحوا عصفورا أمامه سخي اليد كريما يعطي ما بجيبه للمحتاج على حساب حاجته وأبي هذا الرجل الأمي البسيط المتناقض، بدأ حياته العملية مع دكان متواضعة تابعة لبيته ، ولكن صدقه وحسن معاملته ونواياه الطيبة باركت في تلك الدكان حتى أصبح اليوم صاحب أسواق كبيرة في واحد من ارقى الشوارع التجارية وقد كان ومازال حريصا على ان تكون بضاعته من افضل البضائع وأجودها ، وبيعها بربح طفيف لا يكاد يذكر ولا يجد غضاضة في اسلوب البيع بالآجل او الدين ولايشترط موعدا محددا على المدين لسداد ماعليه وربما لهذه الاسباب مجتمعة فتح الله عليه ابواب البركة فاتسعت اسواقه حتى باتت تضم ثمانية عمال يتناوبون على ادراة العمل ، واستطاع ان يشتري مركبة للاسرة ومركبة للحمل ودارا واسعة انتقل اليها تاركا داره القديمة لعائلة فقيرة بايجار رمزي ، ولاادري حقيقة كم تبلغ سيولته النقدية وان كنت اقدرها من غير حسد بين 400 -500 مليون دينار.
وابي امد الله في عمره، برغم البحبوحة التي هو عليها ، علم أبناءه وانا واحد منهم ان نعتمد على أنفسنا ولانكون عالة عليه ، ولكنه بطريقة ذكية وبصورة غير مباشرة كان يمد لنا يد العون بسخاء، فاذا نجح احد اولادنا في المدرسة كانت هديته مليون دينار وهكذا كان يفعل في عموم المناسبات والاعياد واذكر له بالخير والعرفان انه كان يساعدني بتلك الطريقة التي تحفظ لنا ماء الوجه اكثر من اشقائي الاخرين لقناعته الخاصة بان الصحفي موظف يستحق الصدقة والشفقة ، ولهذا زارني مع الوالدة قبل أسابيع قليلة وقدم لي هدية قدرها مليونا دينار من دون مناسبة وقد قرأ الاستغراب في وجهي الا انه ابتسم وقال لي: ( وليدي هذي هديتك بمناسبة صدور القانون مال الصحفيين ، سمعت بالتلفزيون كلام حلو عليه يعني خوش قانون ) شكرته وقبلت يده وقلت له وانا اطير من الفرح ( انه احسن قانون بالعالم وافضل مكسب قدمته ثورة التاسع من نيسان المجيدة لرجال الاعلام ) مع انني في الحقيقة لم اطلع على القانون وربما يكون هو فعلا كذلك، وسألني والدي مستوضحا ( وليدي .. قانونكم هذا اكو بي فايدة زينة لو ماكو ، يعني تجيكم فلوس ،رواتب ،شقة سكنية قطعة ارض سيارة ترفيع علاوه ) اجبته وانا مازلت مغمورا بالسعادة ( لا بابا …. كل هذي الاشياء ماكو ، بس سمعت من زملائي ان القانون يحمي الصحفيين من اعتداء المسؤولين وافراد حمايتهم ، واذا اي واحد يتجاوز او يعتدي على صحفي رأسا يحال الى المحكمة ويسجنوه خمس سنين مدري عشرة او اكثر كما سمعت ان القانون ضمن للصحفي حرية الحصول على … ) قاطعني وقد بدا الانزعاج عليه ( يعني شنو قبل صدور القانون جنابك جنت مكفخة ، يامسؤول ياحماية ، يضربك ويمشي وماكو احد يحاسبه … لك المواطن الاعتيادي اذا اي واحد يعتدي عليه هم اكو قانون وشرطة ومحكمة يساندوه ويحموه وياخذو له حقه … انتو شنو الصحفيين حايط انصيص ، بعدين فهمني الدولة مو بيها قانون عام يحمي المواطنين كلهم اذا صحفيين او معلمين او اطباء او اصحاب بسطات ؟! لعد وينه الفضل الي مسوي بروسكم ومصدرين قانون لحماية الصحفيين ؟) حاولت ان اهدئ من روعه واشرح له بقية الفقرات المهمة التي تضمنها القانون كما سمعت من زملائي ولكن ابي كان قد بلغ ذروة الغضب وفقد اعصابه ونهض منزعجا واخذ الهدية واعادها الى جيبه وهو يخاطبني بعياط ( كلب ابن الكلب عبالي صحيح قانون يستحق الهدية وفوكاها فرحان ومكيف تالي طلعت طول عمرك مكفخة لزيد وعبيد الله يطيح حظك ) ثم غادر بيتي والشتائم لم تتوقف على لسانه وكم كان حزني عظيما على المبلغ وكم تمنيت لو انني لم اذكر امامه تلك الفقرة من القانون او ان القانون لم يشر اليها مع انها تحمي الصحفي… ولكن هذا هو أبي !!