هناك قاعدة عامة مفادها ، ان اية نهضة لايمكن ان تتحقق وتواصل تطورها من دون استقرار سياسي كونه القلب النابض الذي يرفد نواحي الحياة جميعها بالنشاط والحركة الدائمة ، وربما كانت الدول ذات الانظمة الديمقراطية الحقيقية التي ترسخت فيها هذه التجربة، هي في مقدمة النماذج الواقعية القابلة للاستشهاد والاحتذاء … ذلك لان النظام الديمقراطي يعد الاقدر على انجاز الاستقرار السياسي ، لكونه يستند الى ركيزتين رئيستين هما ( الحكومة والمعارضة ) اي فعل ورقابة ومن طرائف هاتين القاعدتين انهما مختلفتان اشد الاختلاف في التوجه متفقان اعظم الاتفاق في الهدف ، وبالتالي تبدو الصورة كما حاول احد السياسيين تقريبها اشبه بجيش يتوجه الى الحرب دفاعا عن وطنه وفي غرفة العمليات حيث توضع الخطط يذهب فريق من القادة الى ان مهاجمة العدو عند الحدود هو السبيل الاضمن لتحقيق النصر ، فيما يذهب الفريق الاخر الى النصر يكمن في ترك الخصم يتقدم ويعبر الحدود ثم يتم الانقضاض عليه في ارض ليست ارضه وبيئة غريبة عليه ، انهما وجهتا نظر متباينتان ولكنهما تلتقيان عند هدف واحد هو (النصر)، ولو تم الاخذ بخطة الفريق الاول فان الفريق الثاني لن ينسحب من المعركة ويقول للفريق الاول : اذهب انت وربك فقاتلا ، بل يصبح جزاء فاعلا من الخطة ، والعكس صحيح !. 

في الحياة المدنية تتجلى معالم الديمقراطية واعرافها بصورة اوضح حيث لاضوابط عسكرية ولا اسرار ولاطاعة عمياء انما هي احزاب وحريات واجتهادات ووجهات نظر ومناكفات ومناكدات وقد يصل الخلاف في بعض الاحيان الى حد التناحر المؤذي واستعمال الايدي … وكل هذا مما  تقره الديمقراطية وتعترف به ، ونشاهد شيئا من مظاهره في برلمانات العالم، فهل تجربتنا الديمقراطية في العراق تعمل على وفق هذه الاعراف وتسير على السكة الصحيحية ؟ وهل احزاب الحكومة والمعارضة واطراف العملية السياسية تمارس حق الاختلاف والتعبير عن الذات ثم تلتقي هدف مشترك وتتعاون على نهضة بلادها كما تفعل العساكر في الحروب؟.

اعتقد جازما ولكل قاعدة استثناء، ان أطراف العملية السياسية لاتحسن كسب الشارع عبر فنون الاقناع بصواب منهاجها وقوة مشروعها وسلامة رؤيتها لانها مازالت تؤمن بان نجاحها يتوقف على « اسقاط « الاخر واعتقد ان خطابنا ما زال فئويا ضيقا حتى في المسائل الوطنية والمصيرية بحيث فقدنا الطريق الى نقطة الهدف المشترك ، واعتقد ان اطراف العملية السياسية لاتجيد نقد ( الخصم ) عبر الكشف عن ضعف برنامجه او عدم واقعيته ، مثلما تجيد النقد الجارح وتتفن في ابتكار التهم ، وليس ادل على ذلك من النعوت المتبادلة فهذا عميل لاميركا وهذا لطهران وهذا للسعودية وهذا طائفي او مصلحي او دكتاتوري او شوفيني او بعثي او فاسد ولم ينجح من هذا الاوصاف وزير ولا عضو برلمان ولامدير  عام ، بل لم ينج الطالباني ولا المالكي ولا النجيفي ولا علاوي ولا الجعفري ولا غيرهم ، ولا انا ولا انت ، فمن اين ياتي الاستقرار السياسي في بلد مفخخ بالتهم القاسية وكيف يمكن ان تزدهر الصناعة والزراعة والثقافة في ظل ديمقراطية الشتائم والنوايا السيئة ؟! ومع ذلك ومازلنا « نهدر « الملايين الحلوة بحثا عن مصالحة وهمية ، وبيتنا السياسي يعج بالشكوك وفقدان الثقة واطماع الكرسي !!.

التعليقات معطلة