لا شك ان (المختبر)، هو أهم صيحة علمية في عالم الاختراعات على مدى التاريخ الطويل لمسار البشرية، برغم ما نكنّه من احترام كبير وتقدير عال للاختراعات المذهلة في شتى الميادين، بخاصة في ميدان الطب، ذلك لأن هذا البيت الأنيق الصامت بمعداته وأجهزته وهيبة علمائه، هو القاعدة التي انطلقت منها تلك المنجزات الإنسانية الكبيرة، وهو الحاضنة الطبيعية التي وقفت، ومازالت تقف وراء حالات التطور المتواصلة.

وربما كان من الطريف حقا، ان يرتبط اسم هذا الاختراع العملاق بمخلوقات مؤذية، قد تثير قرف البعض منا ، تدعى (جرذان المختبر)، مع ان العديد من المختبرات لا تحتاج الى مثل هذه المخلوقات، ولو أمعنا النظر جيدا، فأن هذه الجرذان التي لا نرى فيها إلا صورة الاعتداء على ملابسنا ومطابخنا وأطعمتنا، قدمت للإنسان خدمات جليلة، وهي تعرض نفسها للتخدير والتشريح والتعذيب وحتى الموت من اجل ان نحظى بعد آلاف التجارب القاسية على جسمها ورأسها وحريتها وأمنها وحياتها العاطفية بنتيجة ايجابية، أو ابتكار يعود علينا بالفائدة ولو كان ابن ادم وفيا لأقام لهذه الكائنات المضحية أفخم التماثيل ومنحها أنواط الاستحقاق العالي !!. 

على ان مفهوم (التجارب) الذي ارتبط ببعض حقول العلم سرعان ما أخذ مدى أوسع يشمل العلوم كافة، ولم يمض وقت طويل، حتى استعارت العلوم الإنسانية هذا المفهوم، وتمادت أحيانا في استعماله، بحيث أصبحنا نسمع عن تجارب الفن التشكيلي والشعر والقصة والمسرح، أكثر مما نسمع عن التجارب النووية والأسلحة المحرمة دوليا !.

كان من الطبيعي ان لا تقف (نهازة الفرص) كما يسمّيها البعض ويقصدون بها السياسة، متفرجة أو بعيدة عن حقل التجريب، فقد استعارت مفهوم التجربة بكل ما أوتيت من قوة، ولو استعرضنا السياسات العالمية لوقفنا على آلاف الأمثلة التي مارست فيها الحكومات والأنظمة أنواع التجارب، وربما كان الوضع العراقي ما بين 2003 -2011 أقرب الأمثلة إلينا وأكثرها وضوحا، فقد عشنا تجارب منوعة وغنية، ابتداء من العلاقات القائمة بين السياسيين، فهم أخوة وأعداء وأصدقاء وأخوة أعداء، ووجوه لا تطيق بعضها البعض على الشاشة وأمام الجمهور ووجوه متآلفة متحابة بعيدا عن الشاشة والجمهور، مرورا بالاجتثاث والمساءلة والعدالة، والعبادة في محراب الدستور مرة، وفضح نقائضه وعيوبه مرة أخرى، ومرورا كذلك بتجارب الديمقراطية والانتخابات (والفوضى الخلاقة) وما لا يحصى من التجارب، وانتهاء بتجارب السلطة وأسمائها وأوصافها، فقد عرفنا في أقل من تسع سنوات، الحاكم المدني وسلطة الائتلاف ومجلس الحكم والحكومة الانتقالية والوطنية والشراكة … وما ينتظرنا من تجارب جديدة يقع علمها عند الله !.شيء واحد يستحق الذكر والتذكير هنا وهو ان المواطنين الكرام كانوا حقل التجارب وجرذان المختبر التي توصّل السياسيون من وراء تضحياتها الى نتائج ايجابية وابتكارات عادت عليهم بالفائدة، ومع ذلك لم يقيموا لهم تمثالا، ولم يمنحوهم أنواط الاستحقاق العالي، ولم يذكروهم بكلمة شكر !!. 

التعليقات معطلة