هاتفني زميل إعلامي يشرف على القسم السياسي في إحدى الفضائيات ، وهو في الحقيقة صديق قديم تمتد علاقتي به الى ثلاثين سنة،ولعله من باب الوفاء لتلك العلاقة الطيبة ، أو من باب الوهم بكفاءتي السياسية ، اتصل بي ، وطلب مني بإلحاح ، الظهور في برنامج استحدثته الفضائية التي يعمل فيها ، تحت عنوان (السياسي والشارع) ، ويقوم على إستضافة شخصية مشهود لها بسعة الأفق والثقافة الموسوعية والقدرة العالية على التحليل ، تتولى الرد على أسئلة المشاهدين الذين يتصلون عبر الهاتف أو الانترنت ، ويكون البث مباشرا على الهواء.
اعتذرت طبعا بكل ما أوتيت من قوة، فانا اعرف إمكانياتي الهزيلة وليست المتواضعة ، ولكن الرجل كان مصرا ، ورفض الإصغاء الى أعذاري ، وحاول تذليل المصاعب أمامي ، وفي المقدمة منها ان الأسئلة ستكون مخصصة حول قضية يتم تحديدها للضيف والمشاهدين معا ، ولكي أتخلص من هذه الورطة ، فقد وضعت شرطا قاسيا أمام الفضائية ، هو ان تدفع لي مبلغ ( 150) دولارا ، غير انه فاجأني بان المبلغ الذي سأتقاضاه هو ( 300) دولار ، وقد افقدني هذا الرقم توازني ووافقت في الحال !!.
قبل موعد البرنامج بخمسة أيام هيأت نفسي ، واستعرت ربطة صديقي الدكتور حسن كامل التي يرتديها في المناسبات المهمة فقط ، ولان تجربته معي مرة ، فانا لا أعيد الأشياء التي أستعيرها،لذلك دفعت له (30 دولارا ) من باب (التأمينات) على ان أعيدها سالمة ، وفي الساعة المحددة دخلت الأستوديو بعد ان أجرى المخرج تعديلا طفيفا على ( هندامي ) حيث غير ربطة عنقي الأنيقة ، لان لونها لا يتواءم مع بدلتي ، وألبسني ربطة عتيقة يعتقد أنها تناسب بشرتي الغامقة !!.
على مدى 5 دقائق تحدث مقدم البرنامج عن سيرتي الذاتية (المذهلة) بحيث انتشيت وصدقت الهالة الكاذبة التي أضفاها علي ووصفني في معرض نفاقه الإعلامي ، إنني واحد من اكبر العلامات الفارقة في مجال السياسة الإقليمية والدولية ثم بدا يستقبل أسئلة المشاهدين ، وكان اول اتصال من سيدة تكرهني بالتأكيد ، لعلمها على ما يبدو ان ابغض شيء على روحي هو أسئلة النسوان فقد قالت:تحياتي لضيفكم المحترم … وأود ان استوضح من جنابه عن قضيتين متداخلتين ، الأولى : هل حزب البعث الحاكم في سوريا هو غير حزب البعث المحظور في العراق أو الذي تتهمه الدولة بالتآمر والأعمال الإرهابية القذرة ؟
والثانية : لماذا كان الموقف الرسمي للعراق في الجامعة العربية مناصرا للنظام السوري الذي كان الى وقت قريب متهما بالعديد من التفجيرات وتسهيل دخول الإرهابيين وإيواء الحاقدين على التجربة الديمقراطية في بلادنا ؟.استفزني السؤال فأجبتها منفعلا: ( أنا هنا بصفتي محللا سياسيا ولست قارئ كف أو غيب ، ومثل هذا السؤال يمكن التوجه به الى القنوات الرسمية للدولة لأنه من أسرارها الخاصة التي لا يحق لأحد إفشاءها أو الاقتراب منها ) ، ولا ادري ما الذي حصل فجأة ، فقد ظهر تشويش على الشاشة التي أمامي وغادرنا أنا والمقدم غرفة الأستوديو ، وتلقيت تأنيبا عنيفا من رئيس القسم السياسي ، لأنني أحرجتهم ، واضطروا الى قطع البث بحجة حدوث خلل فني ، وقال لي من دون حياء: (ان ردك يتم عن جهل ، ويفتقر الى التهذيب ) ولم يدفعوا إلي دولارا واحدا ، كما لم يعيدوا لي ربطة العنق ، وخسرت مبلغ التأمينات ، وبذلك كنت اكبر المتضررين فيما كان زميلي حسن كامل الرابح الأكبر،لأنه أشترى تلك الربطة أمامي بستة دولارات فقط .. ولكن الدنيا حظوظ !!