يمر الطبيب العراقي بأصعب ظروفه واوقاته، وانكسار معنوياته.. خصوصا في المستشفى.. انه لا يطبب المراجعين .. لا يعالجهم.. وتناقل الناس من قبل حكاية الطبيب المعروف والثري الذي شارك ، وربما سبق الحواسم في نهب الأجهزة الطبية الدقيقة والثمينة .. فافرغت المستشفيات من اجهزتها المختلفة ولم تفلح الثروات في تعويضها وتسلم الثوار الفدائيون المضحون دولة مخربة وخاوية من مصانعها العملاقة ومزارعها المترامية الخصبة ومن دوائرها ، ومن مستشفياتها.. ووجد الطبيب نفسه مجردا إلا من صدريته البيضاء وسماعة الفحص وفاحص السكر والضغط .. وأنه مجرد عامل على التطمينات والارشادات والتعاطف المؤلم..
وها هو الدكتور الأستاذ في قاعة المحاضرات .. ينزف قهرا امام طلابه، ويلعن اليوم الذي صار فيه طبيبا، وظلم نفسه وما حسب ما يتوجب حسابه وتوقعه.. وأنه لا يتمنى هذا المصير لأحد… دوام غير معقول.. تعامل رسمي وشعبي غير معقول.. مرمي لوحده على نحو غير معقول.. وعليه ان يؤجل مباشرة حياته الشخصية وتكوين عائلة لأن أحدا لم يتذكر انه كائن حي ويلزمه العيش وتكوين عائلة… وإذا تولى الوطنيون الفدائيون الاتقياء مكافأة انفسهم على تضحياتهم واخذوا من المال العام.. ولم يبق ما يعوض المستشفيات اجهزتها.. وما يوفرالضمان الصحي ،، أو يقلل تكاليفه الباهظة.. فان العمل بالقاعدة الزوجية لايحتاج الى مال ومخصصات .
لا يسهل توجيه اللوم لوزير الصحة وهو على ما هو عليه من مثابرة واجتهاد وحرص.. فمخصصات الوزارة بائسة.. وتفكير الدولة بالقطاع الصحي أكثر بؤسا.. إلى ان تعرض الطبيب للاستهانة من قبل المتخلفين ومقاضاتهم اياه … وإذا استمر هذا الوضع تضاعف فرار الإطباء الى دول العالم .. وسيرفض اطباء بنغلادش وكل من ستتعاقد الحكومة معهم من دول الجوار.. وستبقى مستشفيات بريطانيا واميركا وفرنسا مبتهجة وسعيدة بتوافد الاطباء العراقيين المعروفين بتفوقهم ونبوغهم.
يعترف طبيب مقيم في أحد الاقضية ان عمله اقرب إلى موظف العلاقات منه الى الطبيب.. فالمستشفى جرداء.. وحشود المراجعين تتزايد .. وان جهازا من اجهزة اي مستشفى في دولة اخرى يمكن ان يحلل ويشخص حالاتهم بوقت وجيز .. ويقول ان تلاشي المليارات في جيب شبح واحد تكفي لاغراق كل المستشفيات والمراكز الصحية بمختلف الاجهزة الحديثة. يكلف عمل طقم الاسنان مئات الالاف من الدنانير.. بعد ان كانت مجانية مع كل العلاجات ومع الضمان الصحي.. واليوم لا يستطيع الطبيب الشاب ان يتزوج ..لأنه يكره الزواج بالمراسلة.. وان أحدا لم يتذكر تطبيق القاعدة الزوجية.. فيضطر للعن اليوم الذي صار فيه طبيبا.. وفي بلد يفوق فيه راتب الموظف الامي في الدواوين الحكومية الخاصة راتبه بكثير..