مهمة الصحفي كما فهمتها عبر تجربتي الطويلة، هي الاكتشاف المتواصل والكشف عما يختبئ ، وراء الأكمة وهذه عملية معقدة تتضمن مزيدا من المراقبة والانتباه ودقة الملاحظة والاستفسار وجمع المعلومات، ولذلك فانها ــ مع الفارق ــ، نوع من (التحري) الشبيه بتحريات رجل الأمن !! ومن هنا فقد كنت على مدى شهرين أتابع معاملة خاصة بي ، في احدى الدوائر ، صعدت ونزلت وتنقلت من غرفة الى اخرى حتى اعياني التعب واجهدني الانتظار وادركت لماذا يطلقون على مؤسسة الدولة اسم ( الدائرة ) الحكومية، لان المراجع مثل ثور الحقل، ينطلق من نقطة معينة، ويظل يدور ويدور ثم يجد نفسه في النهاية عند المربع الاول ، وهكذا بعد شهرين من الاختام والتواقيع والتوسلات والانتظارات المملة والتدافع مع الطابور امام (كوة) بحجم رغيف الخبز لايصال المعاملة ، قالوا لي بلهجة جافة قاطعة ( تعال بعد عشرة ايام ) ، وبالنظر لمعرفتي المسبقة ، ان اغلب موظفي الحكومة ينظرون الى المراجعين وكانهم شرذمة من المعارضة التي تخطط للاستيلاء ، على مراكزهم وامتيازاتهم ، فلا يصح مناقشتها ، ولا هي مستعدة للتحاور ، لذلك لزمت الصمت ، وفوضت أمري الى الله !!
بعد انقضاء الأيام العشرة عاودت المراجعة ، وفوجئت بما لم اكن اتوقعه حيث قاموا بالغاء الكبوة واستعاضوا عنها ، بقاعة كبيرة كتبوا على واجهتها مفردة (الاستعلامات) منحوتة بحروف بارزة فيها الكثير من الذوق الفني ، اما في الداخل فتم تزويدها بسبع مساطب وثلاث مدافئ وبراد ماء ، كما تم طلاء الجدران وعلقوا عليها عدة لوحات تمثل مناظر ساحرة من الطبيعة العراقية في حين جلس عند صدر القاعة خمسة موظفين ( سيدتان وثلاثة رجال ) وراء منصة خشبية انيقة يعلوها هاتفان ارضيان وسلة ورد !
اخذت مكاني مع المراجعين ، وقبل ان اجلس استدعاني احد الموظفين وتسلم اضبارتي ، قلب اوراقها ثم حولها الى الموظفة التي الى يمينه ( فهمت ان كل موظف يختص بنوع من المعاملات ) وبعد ان اطلعت عليها قالت لي بمنتهى اللطف ( عمو … معاملتك منجزة … باقي بس ختم الصادرة .. تفضل أستريح ) ، عدت الى مقعدي فيما تسلم الإضبارة مستخدم عاد بعد اقل من ربع ساعة ومعه مجموعة أضابير منجزة من بينها اضبارتي من دون ان يتجشم احد من المراجعين عناء المتابعة والصعود والنزول !!
الحقيقة أربكني المشهد الذي بدا وكأنه حلم جميل ، وتساءلت مع نفسي عن سبب هذا التغيير المفاجئ ولم أتوصل الى اجابة مقنعة ، غير ان المصادفة دفعتني الى مراجعة الدائرة نفسها بعد اسبوعين فقط ، وكانت المفاجأة ان الكوة عادت من جديد واصبحت اصغر من رغيف الخبز ، ومعها عادت المعاناة القديمة وهنا تحركت عندي حاسة التحري الصحفي ، واكتشفت العلة ، فقد ظهر ان الدائرة كانت تنتظر زيارة مسؤول رفيع المستوى ، وحين أنهى زيارته وأبدى رضاه الكامل عن سير العمل ( المثالي ) ، عاد كل شيء الى سابق عهده ، على إنني اكتشفت ما هو أدهى، حيث تبين ان المسؤول يعرف جيدا كيف كانت الحالة قبل زيارته ، والى أي شيء ستؤول بعدها ، ولكن ذلك يمنحه الفرصة لحضور اي مؤتمر ومواجهة الصحفيين الذين يتحدثون عن الروتين والفساد ، ويؤكد لهم ، انه اطلع شخصيا على الدائرة الفلانية والفلانية والفلانية ، ووجد الامور تسير مثل عقارب الساعة السويسرية ، وبالطبع ليس من حق الصحفي ( الغليظ ) تكذيب المسؤول ( الرفيع ) على وفق القانون وقواعد الخدمة و … وكل زيارة و المواطنون بألف خير!!.