بحدود معرفتنا المتواضعة ، لم نقرأ في صفحات تأريخنا العربي عن أية علاقة أو صداقة حقيقية حصلت وتواصلت ما بين شخص من عامة الناس أو أعلى الى حد معين ، ومابين ملك أو أمير سوى صداقة لم تدم طويلا ًجمعت المتنبي بسيف الدولة الحمداني ، لكن سرعان ما أنتهت بان قذف الأخير (أي الأمير) بمحبرة (رئاسية) كانت قريبة منه في مجلس يغص بالحاشية والماشية من أصفياء واتباع سيف الدولة جرحت رأس وكرامة وشاعرية ( مالئ الدنيا وشاغل الناس ) فسال الدم مبهورا من جبين أبو الطيب المتنبي وهو ينشد قصيدته: ( يا أعدل الناس إلا في معاملتي …. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم ). 

ولم يغب عن قريحته أن تكمل في نفس تلك القصيدة الرائعة بمرارة لاذعة :

( شر البلاد  بلاد لا صديق بها ….) فيما كان الدم يتدفق حاراً تاركا ً جرحاً غائراً في ثنايا وضمير روحه التي اكتفت بالشعر- ردا- متحدينا فعلة صديقه سيف الدولة قائلا قبل مغادرة (حلب) منكسرا حزينا الى الابد :(لا يداوي الجسد إلا الجسد) ليؤكد صحة حكمة تقول ؛ مثلما ليس للبحر من جيران ،، ليس للأمير من أصدقاء!!

قواسم فروقات ومتطلبات السلطة وربما وحشتها بحكم الحاجة للقوة والقسوة وغيرها من عوامل آغراءات النفس بطغيان الذات والانانية لاتدع مجالا لتمتع القادة والزعماء والملوك والامراء بتقبل استمرار صداقات متكافئة ، كأن يزور جلالة الملك المفدى أو السيد الرئيس أو من يدانيه في عظمة هذه المنزلة صديقا له لكي يطمئن عليه وعلى صحته بعيدا عن دربكات الحرس والحمايات بكل اصنافها وانواعها القتالية والدفاعية بعيدا عن عيون الاخبار وفضول الصحافة وكل وسائل الاعلام في كل عصر وآوان،، يذكر لنا تأريخنا القريب وان الزعيم عبد الكريم زار الجواهري في بيته في الاعظمية فتحول البيت الى حائط مبكى ومركز لتسلم عرائض واسترحامات وشكاوى المواطنين حين علموا بوجود الزعيم الاوحد في بيت شاعر العرب الاكبر الذي ضاق ذرعا بهدير اصواتهم المحتشدة وهي تردد: (عاش الزعيم عبد الكريم ..) ايام لم يكن قد وصلنا بعد هتاف 🙁 بالروح بالدم نفديك .. يــا …) وتقول الحكاية ان تلك الصداقة التي نشأت مصادفة ما بين الزعيم قبل ثورة 1958  وبين الجواهري في عيادة طبيب أسنان في لندن كانت بعمر رغوة الصابون ، فقد أمرالزعيم شاعرنا العظيم بفرض كفالة قدرها درهما عراقيا واحدا بما كان يعادل خمسين فلسا فقط عصر ذاك العصر الجمهوري هي ثمن طابع عريضة ارادت النكاية والنيل من شاعرية (حييت سفحك عن بعد فحييني .. يا دجلة الخير يا أم البساتين).

ومن أجل ان اصل ضفاف مقال يتناول علاقات الشعراء والملوك ومن لف لفهم في اطار صداقات غير متكافئة كون التاريخ قد أرخى لنا اخبارهم واشعار من تورطوا بمثل تلك (الصحبة) التي تشبه (الحب من طرف واحد) في أحسن احوالها وخواتم نهاياتها المأساوية دائما وليس من باب الاقتراب من مقولة ( صعلوك بين الملوك ) ولامجرد ترديد وتأكيد لمثل اخترته عنوانا لمتن مقالي هذا الذي أردت ختمه بقصيدة جميلة ومعبرة جدا ً كتبها الشاعر الفرنسي  لويس اراغون  هي هذه الابيات:

         أنا ، والملك ، والحمار 

         كلنا سنموت

        الحمار …. من التعب 

         والملك … من الضجر 

         وأنا…. من الحب .

التعليقات معطلة