انه في مقتبل الرجولة ، لم يكمل عامه الأربعين بعد ، حين تعرض الى عبوة قذرة التهمت ساقه ، وأحالته الى التقاعد ، وهو لما يزل قادرا على العطاء، ذلك هو السيد صلاح محمد ، الذي لم ييأس ولم يستسلم للعكاز ، فقد افتتح في بيته دورة لتعليم الكومبيوتر ، لقيت اقبالا كبيرا من شباب المحلة ، كانت بالنسبة له عزاء جميلا ، ومورد رزق ، وتواصلا مع الحياة .وهذا الرجل شخصية متوقدة الذكاء والحيوية ، فقد كان من أوائل الذين تعاملوا مع الحاسوب والانترنت ، واتقنوا اسرار المواقع وعوالم هذا الجهاز المذهل حتى بلغ من تعلقه بالكومبيوتر ، انه يصرف من وقته إحدى عشرة ساعة يوميا ، وهو يتنقل شرقا وغربا ، يتابع اخبار العالم ، ويطلع على الصحف ، بحيث بات مرجعيتنا الثقافية التي نلجأ اليها في الصغيرة والكبيرة ، فهو زيادة على المعلومات التي يحصل عليها ، يتمتع بقدرة استثنائية على الحفظ والاستذكار .من طريف ما يحضرني هنا ، ان ممثل الحكومة عقد اجتماعا قبل أربعة أسابيع ، دعا إليه عددا كبيرا من المتقاعدين بعد ان ارتفعت اصواتهم الاحتجاجية عاليا ، وهي تطالب بتحسين رواتبهم المخجلة ، التي وعدت الحكومة بتحسينها اكثر من مرة ، ولكنها لم تف بوعدها ، فعلى مدى سنتين تقريبا ، كانت تزعم ان الزيادة في طريقها اذا ما حافظت صادرات العراق النفطية على معدلاتها ، واذا ما حافظ النفط على اسعاره العالمية ، ولم يحبط ، ومع ان الصادرات والاسعار لم تتراجع ، الا ان اية زيادة لم تطرأ على الرواتب ، وهو الامر الذي اخرج المتقاعدين عن صمتهم ، وهددوا باللجوء الى الدستور الذي يقال انه تعهد بضمان الحياة الحرة الكريمة للمواطنين جميعا ، الا انهم يفتقرون الى مثل هذه الحياة ، ومعلوم للقاصي والداني ، ان الحكومة لا تهاب احدا ولا تخشى من احد ، سوى الدستور ، لذلك دعا ممثلها الى اجتماع عاجل مع المتقاعدين لاقناعهم بالعدول عن فكرة اللجوء الى الدستور ، وتحدث معهم حديثا جميلا ، وتعاطف مع مطالبهم المشروعة واكد لهم ان الدولة كانت على ابواب تشريع قانون موحد لهم  من شانه ان يرفع مدخولهم الشهري الى مستوى يحسده عليهم متقاعدو العالم ، ويضمن كرامتهم الانسانية عبر ضمان كرامتهم المعيشية ، لولا موقف ( صندوق النقد الدولي ) الذي وصفه بالمؤامرة الدولية ضد المتقاعدين ، ثم اسهب في كلامه وابدى مزيدا من التعاطف مع معاناتهم المريرة التي تصعب على الكافر ، على حد تعبيره ، حتى انه بكى حزنا وابكى الحاضرين معه ، وختم حديثه قائلا ( كونوا مطمئنين … وانا اعدكم ان الحكومة لن تنساكم … انتظروا وتحلوا بالصبر وسيأتي الفرج انشاء الله ولو تأخر بضع سنوات أخرى ) ، ثم فتح باب الاسئلة والاستفسارات ، ولم يسأل احد من المدعوين اي سؤال ، فقد كانوا منشغلين بالبكاء ، ما عدا السيد صلاح محمد ، لم تنزل له دمعة ، وطلب الاذن بالكلام قائلا ( استاذ … انا لا اشك بنواياك ولا بنوايا الحكومة الطيبة ، ولكن معي صحيفة المستقبل العراقي التي تحمل الرقم 168 والصادرة بتاريخ 15/12 / 2011 ، تقول غير ما تقوله ) ، وعرض الصحيفة امام الجميع ، ثم واصل كلامه ( لقد اوردت الجريدة تصريحا للسيد باقر جبر الزبيدي جاء فيه ، لا علاقة لصندوق النقد الدولي برفض زيادة رواتب المتقاعدين ، وان الاتفاقية الساندة بينه وبين العراق ، تنص على تعاون الطرفين ، وليس فرض شروط من طرف على طرف فماذا يقول سيادتكم ؟! تنحنح الممثل ، وكرع قدحا من الماء ، ورد عليه : كنت أتمنى مناقشة موضوع الصندوق تفصيليا،  ولكنني اعتذر لارتباطي بموعد رسمي ، ونهض مسرعا ، وغادر القاعة على عجل ، قبل ان ينتهي اغلب المتقاعدين من كفكفة دموعهم السخية !!. 

التعليقات معطلة