من الشائع والمعروف عند العراقيين، ان الواحد منهم حين يصادف او يعيش لحظات فرح او ان امرا اضحكه مايدعونه ضحّكا من القلب، وهي لحظات نادرة في عمر العراقيين، فانه يستعيذ من الله ويبسمل عدة مرات، متمنيا من الله، ان يجعلها ضحكة (خير) موقنا ان لحظة الفرح او الضحك تلك ايذان بوقوع مصيبة كبرى، لا لشيء الا لانه عايش الاحزان طويلا وتآخى معها، ولم يألف تلك اللحظات السعيدة الا بالسنة حسنة كما يقال..
كثير من الذين يتصدون لتحليل الشخصية العراقية يقعون في خطأ فصلها عن حيثياتها التاريخية ــ الفكرية، ومحيطها ذي الاصول الشرقية المعبأة بالمعتقدات، فمن حيث التاريخ قاست تلك الشخصية ما لا عد له ولا حصر من شتى انواع القمع والعذاب اللذين ما انفكت تقاسيهما حتى اليوم، ومن حيث الفكر فقد ظلت اسيرة التابعية المطلقة لأيديولوجيا السلطة من دون ان تمتلك قدرة التمرد والسؤال عن مجاهل المعرفة التي لم تزل مغلقة بفعل التحريم، والحالات النادرة التي شذت عن تلك القاعدة تعرضت للتجريم ومن ثم الى عقوبة الموت. وراحت تقيم تقاليد وطقوس للحزن، وتبتدع يافطات ومسميات لتكريسه حتى غدا مهيمنة لا خلاص منها او مهرب، وهناك على الدوام من يدافع عن تلك الطقوس ومأساويتها بدعاوى تكرس واقعية المأساة حيث مشاهد القتل والتدمير وخراب مستشر في الانفس والعقول، من دون ان تمد يدا بإتجاه التفاؤل بالغد حتى امست عبارة (اليوم احسن من الغد) لازمة تلوكها الافواه كل ساعة وبمناسبة او من دونها.
يقول المفكر الفرنسي هنري برغسون (الضحك سلاح جبار، يستمد جبروته من كونه يسفه المأساة) ولا خلاف على طبيعة الحياة المأساوية، فانت لن تعيش وتحقق ما تصبوا اليه ان انت لم تبذل جهدا، ايا كان هذا الجهد وهنا تكمن العتبة الاولى في المأساة.. ونمتلك نحن العراقيون في عقولنا ونفوسنا عدسة يمكن لها ان تكبر حجم الحدث المأساوي بنسب كبيرة، ربما تصل الى 100 % من دون مبالغة يعاضدها في ذلك تاريخ طويل ومرير من العذاب.
الثابت ان الحزن طبيعة خلق اما الفرح فصناعة انسانية تقتضي منا فعلا متواصلا نديم من خلاله نسغ الحياة وندحر به في ذات الوقت رموز المأساة وصناعها النتنين من الصداميين والقاعديين وداعميهم من الظلاميين وطغاة الجوار الذين صدئوا لطول ما تسمروا على عروش مأساة الشعوب المبتلاة بهم..