في عام 1957 ، وبتوجيه من الملك، اقامت وزارة المعارف معسكرا للشباب في مدينة شقلاوة، ضم على ما اذكر أكثر من ثلاثين شابا من (متصرفيات) العراق جميعها، تمّ اختيارهم من أوائل الدراسة الاعدادية، زيادة على بعض الموهوبين (اقتصر المعسكر على الذكور من دون الإناث) وقد تولى مهمة الإشراف ثلاثة من موظفي الوزارة، أحدهم بدرجة مدير عام هو المسؤول الأول عن المعسكر. 

كانت المدة المقررة ستين يوما، تبدأ من تموز وتنتهي في آب، واعتقد أن المعسكر لم يكن نوعا من المتعة فقط بل كان قبل ذلك درسا حياتيا بالغ الأهمية لبناء الشخصية.

حين وصلنا المعسكر المهيأ لنا سلفا، اجتمع بنا المسؤول الأول، وكتب أسماءنا على أوراق صغيرة جمعها في  كيس وأجرى قرعة تم على أساسها توزيعنا الى مجموعات عدة، تضم كل واحدة شبابا من شتى المدن العراقية، والحق فإن مئات الصداقات الوطيدة نشأت بين طلاب العراق من شماله إلى جنوبه، تعزز بعضها وتواصل مع الزمن، ولعلني مدين بتواصل علاقتي الرائعة مع الصديق عبد الحسن الغرابي ( من محافظة ذي قار)  الى أيام المعسكر.

تعلمنا في أثناء الشهرين كيف نعتمد على أنفسنا في تهيئة وجبات الطعام وغسل ملابسنا وتنظيف المكان والنهوض المبكر والتعداد المسائي واحترام الأنظمة والتعاون والعمل المشترك، واستمتعنا بجولات لطيفة في المدينة والمناطق الجبلية المحيطة بها، مثلما استمتعنا بالعديد من المباريات الرياضية والآماسي الثقافية والفنية المنوعة، يا لها من أوقات لا تنسى، ومع ذلك لم تخل رحلتنا من منغصات قادها شابان، أحدهما انتخبناه مسؤولا عن تنظيم الفعاليات، والآخر عن الخدمات، فقد شاءت المصادفة أن يكونا نرجسيين بصورة مرضية، ولذلك لم ينصرفا الى واجباتهما، وإنما الى المشاكسة فيما بينهما، وقد أنعكس ذلك علينا، فإذا قام الأول بالإعلان عن فعالية معينة، لم يقم الثاني بتوفير المكان مثلا أو المنصة والكراسي والمستلزمات الأخرى، واإذا قام الثاني بتهيئة المستلزمات جميعها على أفضل وجه، قام الأول بإلغاء الفعالية وقد ذقنا الأمرين منهما طوال الأيام التسعة الأولى من الرحلة، وكان أسوأ  ما في الأمر هو انقسامنا على انفسنا بين مؤيد للأول أو مؤيد للثاني، وتفاقم الانقسام الى حد العداوة  والضغينة، ولذلك طلبنا من المشرفين إجراء انتخابات جديدة، فوافقوا على الطلب ، ولكن الغريب والمضحك في الوقت نفسه، إننا إخترنا الشخصين نفسيهما في الانتخابات الجديدة، فعادا إلى المشاكسة، وعندها إتخذنا قرارا صارما بأن نقيم الفعاليات، ونهيئ مستلزماتها من دون الرجوع إليهما، وهكذا أمضينا أياما حلوة ، حافلة بالمتع والسعادات، لعلها أحلى أيام العمر.

التعليقات معطلة