لا نأتي بجديد إذا ما قلنا؛ ان جميع النزاعات الأقليمية مرهونة بمصالح وغايات وأهداف ونوايا معينة، منها المبيتة سلفا ومنها الطارئة وفق مقتضيات الظرف والاستجابة الحضارية، وقبل الدخول الى (لب الموضوع) نرى ضرورة ان نعيد ونذّكر بفكرة الاعتراف بأن اللجوء الى استخدام (القوة) يعني فشل السياسات في تلافي الأزمات التي تؤدي الى حروب تتنوع بتنوع الغايات والمرامي والأهداف وإن ما حصل ويحصل في عالم اليوم هو(حرب الجميع ضد الجميع) كما نوهنا في عمود سابق لاعلاقة له بالنظام السابق لا من بعيد ولا من قريب، فقد كان ذلك النظام الذي لم نزل ندفع أثمان وضرائب تعويضات حماقاته بجهود (مباركة) ليومنا هذا(نايم ورجليه بالشمس).
فثمة نزاعات إقليمية وحروب وتلويحات وتهديدات كانت قد أسهمت بوضوح علني-تحديدا بعد أحداث أيلول/ سبتمبر- من أزدياد وأزدهار تجارة (صراع الحضارات) لكي تكتمل دورة حياتها من أجل سواد عيون و(طفحان) خدود و(نعومة) زنود المدام (عولمة) بسعي تطبيقاتها في واقعي مرئي- محسوس وملموس ومدروس حتى أنها باتت ترفع شعارا يقترب من حدود مثلنا الشعبي المأثور؛ (الميعرف تدابيرة حنطته تأكل شعيرة).!
وبالرغم من كل ما ورد، ثمة مشكلة معقدة تتضح معالمها كلما أزدات الدول العظمى قوة وهيمنة، هي أنها تبقى في حمى وحراك دائمين لإيجاد عدو يوقظ حواسها ولوامسها وتغذي توجساتها بما يجعلها متحفزة، يقظة، متهيئة للوثوب في أية لحظة تستدعي ممارسة قوتها وصلاحية استعمال هيبتها في السيطرة على مصالحها في العالم.
عدو قادر على أن يحيي أسباب ذلك النزاع ويستل تلك اليقظة حتى ولو كان ذلك العدو مجرد وهم أو شيء معقول وموجود نسبيا بحدود فهم متبادل لنوع العلاقة وعمق حاجة تلك الدول الدائمة للتبرير من أجل ان تستمر في الدفاع عن وجودها تحت طائلة قائمة طويلة عريضة لا تنتهي من إيراد مسوغات وتبريرات تصل لدرجة احساس عال بمرض نفسي يدعى (البرانويا) يتعلق بنواحي زيادة الوسواس والأوهام الى درجات من الهذيان تتراوح ما بين شعور بالاضطهاد والعظمة، ولعل من أعراض تلك العقدة النفسية ان صاحبها يدّعي لنفسه العظمة ويزعم أنه قادر ومتدرب لحل مشكلة العالم، كما يتمثل بطريقة الدفاع والاستجابة والاعلان عن تلك المشاعر التي تصيب مثل هذة الدول، مثلما تصيب الأفراد من السياسيين وعامة الناس ما دامت الأمور والمواضيع تتعلق على شماعة تلك الأوهام وطرق صناعتها أو ترويجها لمن كان مهيئا للإصابة بهذا الوسواس، وليعرف من يريد ان يعرف أكثر،، إن الحضارة مثل الإنسان تولد وتبلغ وتنضج وتمرض وتشيخ وتهرم وتموت.
وبمناسبة ذكر صناعة الأوهام والترويج لها ولغيرها من مزايا مقام المدام (عولمة) نذكر حين سئل الزعيم (غاندي) مرة عما لفت اهتمامه أو أعجابه في عموم أمريكا، أجاب بذكاء أختصار وحسم:(هووليود)!!