لا نقول جديدا حين نقرر أن الانسان لايولد كائنا أجتماعيا متكاملا يعي معادلة الحقوق والواجبات، الاساس الاول لديمومة أي مجتمع، من دون الشروع بتعلمه ألف باء العيش مع الاخرين. وكلما سلمت العملية التعليمية من المخاطر والمعوقات وتطورت، سلمت الموجهات الأجتماعية وتطور المجتمع.
العراقيون يتذكرون، وهو على أية حال ليس بماض بعيد، أن خرابا كبيرا لحق بالعملية التعليمية مثلما لحق بجميع مرافق الحياة، أحدثته السياسات المختلة لـ(القائد الضرورة)، حتى أمسى بائع اللبلبي وبائع السكائر و بائع الببسي على اي رصيف من ارصفة الشوارع أوفر حظا واسعد حالا، وهي سعادة وهمية في كل الاحوال، من أي مدرس او معلم او موظف تربوي، وقد بلغ مرتبه الشهري مايعادل الدولار ونصف الدولار شهريا، لا يمكنه، مهما تفنن واجتهد، ان يغطي بها اجور نقله، ولمدة أسبوع فقط. ولم يسأل الـ(لقائد الرمز) نفسه يوما كيف يمكن لهذا المواطن ان يوفر خبزا لعياله؟ او دواء لمن يمرض منهم؟..
لقد بلغت السياسة التي طبقها المقبور من (الحكمة) أنه فرض على الرعية الخاوية البطون، وهو الذي أخواها، ان تحوز قصب السبق في ماراثون الحصار الجائر على وفق شعار حزبه، اول من يضحي، والمقصود المواطن طبعا ، واخر من يستفيد.. وكان برنامجا للتجهيل المقصود معدا بعقل شيطاني ينضح بالشر والحقد على هذا الشعب المغلوب على أمره.
وقد بلغ الخراب في التعليم مبلغا لاسابق له حتى وصل اعلى الشهادات الاكاديمية من قبيل منح شهادات الدكتوراه لأي رفيق حزبي على وفق ماقطعه في (مارثون النضال الحزبي) وليس على وفق ما بلغه من مستوى علمي ومعرفي، فضلا عن حملة الشهادات الآخرى الأدنى… وقد شهدنا ولم نزل نشهد الكثرة الكاثرة من طلبتنا وفي شتى المستويات التعليمية يمكثون في مستنقع الامية التعليمية فما بالك بالأمية الثقافية المستشرية بنحو يكاد يكون مكتمل.
بالطبع نحن نعرف ان ميدان التعليم شأنه شأن ميادين حياتنا الاخرى، ليس منفصلا عن طبيعة المرحلة التاريخية الفاصلة التي تعيشها بلادنا اليوم وقد ورثت من ضمن ماورثته تركة ثقيلة من الخراب المستشري في جسد العملية التعليمية وروحها، ولكن نحن نعتقد ايضا أن موضع اهتمام الحكومة بتلك العملية لم يزل ناقصا وليس متوائما مع قيمة دورها الاني والمستقبلي في اصلاح الخلل الاخلاقي الحاد في سلم الثوابت الخلقية للشخصية العراقية وما يتبع ذلك من تأسيس صحيح لمجتمع أيجابي معافى يمكن له الاسهام في دفع عجلة الرقي الانساني.
واليوم احرى بالحكومة وبشتى مفاصلها ايلاء الاهتمام والرعاية المناسبين بأعادة الهيكلية التعليمية على وفق احدث المناهج العالمية ورصد أقصى ما يمكن من المقدرات المادية والفنية لسير تلك العملية، وينبغي التذكير بالاهمية القصوى للالتزام بضوابط قانونية وقسرية تشكل ضمانة وحصانة لخلق أجيال حقيقية قادرة على فهم المسؤولية ومن ثم تحملها.