مسكين هذا العراقي… مسكين لدرجة تفوق أي تصور.. فمنذ بدء الخليقة ظل يعطي ويعطي فقط من دون ان يســـأل: متى يكون الثواب؟ كان ينزف وينزف وشــــرايين عنقه تحت أنصال الحكومات المتعاقبة، ترهف حوافها بمبرد جلده وتوغل فيه طعنا وتجريحا وتقطيعا.. مسكين وهو يحمل أبد الدهر الصخرة ذاتها، يكابد في الارتقاء بها الى المرتقى، ويقطع أشواطا تلو اشواط وسط مخاطر ومصائر شتى، ليعود بركلة عابثة هازئة به وبحلمه متدحرجا على السفح راجعاً الى حيث بدأ.

مسكين هذا العراقي وهو يسحل منذ (الولادة حتى الموت) عربة المواطنة التي تثقل كاهله وكاهل عياله بشتى الأحمال، فمن لقمة ـ السم ـ المتسربة من بين أنامله هباء منثورا، مرورا بغياب النور الهارب دوما مع هروب التيار من أسلاك الكهرباء، وجفاف صنابير المياه غير الصالحة للشرب وأقامة وحشة البرد بفقدان المحروقات في جلود الفقراء حتى وقوع الطامة الكبرى بفقدان الأمان المرسوم بوحشية في أحداق الصغار..

شارفت أحلامه عنان السماء يوم 9/4 حتى خف وزنه وغدا كما يقال ريشة تعبث بها شتى الوعود. كان لما قبل يوم واحد يعي ـ واقعيا ـ أن مصيره تحت ربقة سلطة جائرة واحدة وكان يجيد استخدام (طريق السلامة) الى حد ما ليأمن شرورها، ولم يكن قانطا تماما، بل كان حين يضع رأسه اخر نهاره الشاق على وسادته يحتضن حلما بحجم قبضة كف!.. أن غدا جميلا آتيا لا ريب فيه، ولكنه وبمسافة زمنية عمرها يوم واحد فقط لا غير، أصبح ريشة عبثت بها وبقسوة مفرطة وعود شتى، فمن أقصى اليمين العروبي القوماني حتى أقصى اليسار الراديكالي، ومن حدود علمانية واقعية (براغماتية) مبعثرة الى حدود اصولية (مازوشية) تارة ـ حانقة ـ لفقدانها امتيازات ذهبية ظلت تنعم بها معظم عمر العراق، وتارة مسترخية لاستحواذها على معظم مقاليد الامور، وفي كلتا الحالتين تتعامل مع الحاضر ومع المستقبل بماضوية أما مستلبة أو متسيدة، والجميع.. جميع الاطراف تدعو هذا المسكين أن يبذل ويبذل أقصى ما يقدر وما لا يقدر عليه في الالتزام بحس المواطنة.. مسكين أنت أيها العراقي.. هل أعطاك هذا الوطن قرشاً يعيلك ولو لبضعة يوم من جبال الذهب وبحار الكنوز التي ينوء بها؟ لا.. بل هل قال لك كلمة: شكرا.. فأية مواطنة بعد كل هذا يريدون؟..

ولكن أصبع ديناميت واحد يمكنه أن يشظي جبلا في لحظة.. علينا جميعا أن نقر بذلك، ولكن كم سنحتاج من ملايين اللحظات لبناء جبل؟ أن عملية الهدم أيسر بما لا يضاهى من عملية البناء، ومن طبائع الامور أن لكل شيء ثمنا، كما لا بد من أن نقول كلمة حق، اذ ليس المشهد سيئاً برمته، هناك التماعات من الشرف لم تزل تبرق هنا أو هناك، ولنا أن نحتضن ـ أيها العراقي الشريف ـ حلمنا الذي بحجم قبضة كف، ممنين النفس أن غداً زاهراً وافراً آمناً بالحتم وبالضرورة ينتظرنا هناك في مرمى الأفق.

التعليقات معطلة