عندما كانت عندي محاضرة في جمهور عراقي ايام المعارضة في الخارج في الثمانينات قال لي احد التجار الوطنيين العراقيين ان فلانا ويقصد به احد اعوان صدام حسين ممن كان يزوق له كلمات المديح وقد جاء هاربا بعد ان قتل زوج اخته ويريد ان نسمح له بالجلوس في الندوة. فقلت لهم: اسمحوا له فليدخل, وجلس آخر الصفوف, وعندما انهيت محاضرتي , رفع اصبعه وقال: يادكتور تسمح لي بالحديث. فقلت له تفضل: فقام مصفرا مرتجفا وقال: انا اتفه كاتب حارب الشرفاء من ابناء وطنه واغرورقت عيناه بالدمع. ثم قال: صدام حسين “ربع مليون عراقي” ساهم في صناعته وانا واحد منهم, ولا علاج لنا الا السيف. وتدور الايام ثم يصبح هذا الرجل عضوا في البرلمان العراقي بواسطة احدى القوائم التي انشطرت على نفسها, وهذه احدى الدلائل على عدم صلاحية القائمة لفرز الرجال الصالحين انتخابيا, ثم هي احدى علامات التوبة السياسية المفبركة. ثم تحمل لنا الاخبار مفاجآت التوبة السياسية, ليصبح من كان من حاشية عدي, ومن تلاعب باموال التجار العراقيين في اوكرانيا في التسعينات, ثم هرب الى الخارج ليؤسس جريدة ويمتلك بناية وسيارة مرسيدس ويعلن نفسه معارضا لصدام حسين بتلك الاموال المسروقة مما جعل المعارضة ملغومة بالادعياء, ثم بعد السقوط عمل هذا الرجل تحت مظلة احد الحزبين الكرديين, ونال من تمويلهم كما نال الكثيرين, ثم اسس فضائية, ثم اصبح نائبا, واتهم بسرقة رواتب حمايات النفط والكهرباء حيث شكا لي احدهم قائلا: يادكتور يعطوننا ” 90″ الف دينار وراتبنا في الدولة هو ” 500″ الف دينار فقلت له : قدموا شكوى للقضاء وطالبوا بحقوقكم . ثم اصبح هذا الرجل من مروجي الطائفية والارهاب فلوحق قضائيا فهرب خارج العراق وهناك اسس فضائية تنطق باسم الارهاب بعد ان غير اسمها, واليوم نشاهد توبة سياسية جديدة مفبركة بمساعدة سماسرة وجدوا طريق التزلف الى بعض اصحاب القرار ولذلك اثير جدل في الصحافة والاعلام هذه الايام حول اسقاط تهم مادة 4 ارهاب عمن كان متهما بها وبغيرها من التهم التي تعود لمستحقات مالية لبعض المواطنين وللمال العام.. وسبب اثارة الجدل هو دهشة الموقف وسرعته عندما تناقلت الاخبار حضور من كان مطلوبا للقضاء مرحبا به في مطار بغداد ثم مروره على القضاء زائرا وليس متهما, وسرعة اسقاط تهم الارهاب على غير العادة, ثم اسقاط بقية التهم التي تتعلق بالذمم المالية ذات الحقوق الشخصية, ومن المناسب بيان طبيعة ونوع الحقوق من الناحية الشرعية وهي: 1- حق الله : فالله ان شاء يغفر وان شاء يعاقب, وهو في كل الحالات ارحم الراحمين. 2- حق الناس: وهذا الحق لايسقط الا من قبل نفس اصحاب الحق من الاشخاص. بالمسامحة , بالتنازل , وبالعفو والمغفرة . 3- حق مشترك بين الله والعباد : وينطبق عليه شروط الحقين اعلاه ومن المفيد زيادة في التوضيح : ان الحقوق الخاصة بالله هي: 1- الشرك بالله 2- والكفر بالله ومعصيته وحقوق العباد هي: 1- استباحة دمائهم وكما يحدث اليوم في القتل الارهابي والمسؤول عنه التنظيم الوهابي انتماء ومساندة, والافتاء ومن يقف وراءه. 2- استباحة الاعراض 3- استباحة المال 4- استباحة الحرمات الشخصية: كالغيبة, والنميمة, والنفاق, والتنابز بالالقاب, والتسقيط والتشهير.والتوبة الشرعية: ماكان تشريعها من الله في نص الكتاب “القرآن” او مفصلة في سنة رسول الله “ص” . فالله هو الغفور وهو التواب وهي من اسمائه الحسنى , يضاف اليها: الرحيم والرحمن بما يعزز معنى التوبة. وقد خصصت سورة من سور القرآن الكريم باسم “التوبة” وهي السورة التاسعة في التسلسل , واياتها ” 129″ اية كريمة. ومن الايات التي ذكرت التوبة وحثت عليها: 1- “الم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده ” – 104- التوبة . 2- “ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ” – 118- التوبة. 3- “واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه “– 3- هود. 4- “ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا ” – الاسراء –. فالشرع علم يحاذي قعر النفوس وخبايا الصدور ولمح البصر , ولذلك يكتسب حقا لايكتسبه غيره الا ان يكون مدعيا , والادعاء فتنة وظلال. والتوبة الشرعية هي التي تفتح افاقا للتوبة السياسية التي يظل معناها مجازيا. وللتوبة السياسية دلالات ومواقع هي: 1- “وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم” – 1- الانفال . 2- “واذا جاءك الذين يؤمنون باياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه غفور رحيم” – 54- الانعام . 3- وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه ذلك بانهم قوم لايعلمون” -6 – التوبة . والذي وقع اليوم من توبة البعض والتي اثارت ضجة وزوبعة اعلامية, هي توبة في الظاهر تقع في المعنى السياسي وهو معنى مجازي للتوبة كما بيّنا. والدولة العراقية اليوم انما تتعامل بالتوبة السياسية وليس بالتوبة الشرعية, ويبقى للافراد فيها خصوصيتهم ونواياهم التي لايطلع عليها الا من بيده مفاتح الغيب, وربما يكون لبعضهم من المبررات ماكان للنبي يوسف “عليه السلام” الذي مارس دورا تنظيميا اقتصاديا في حكومة فرعون غير الالهية: ” قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم” – 55- يوسف . ويظل القياس مع الفارق موجودا في هذا المثال. فالدولة العراقية مدنية, وان نصت المادة الاولى في الدستور العراقي على عدم المساس بثوابت الاسلام, الا ان القضاء العراقي قضاء مدنيا وضعيا وليس قضاء شرعيا, وهوية الدولة تعرف بقضائها لابشعاراتها. ولكن المشكلة تأتي في مثل هذا العفو ذو الطابع السياسي وهو امر مقبول في جوانب ومرفوض في جوانب اخرى, فهو مقبول من جانب حاجة الدولة لاشاعة روح السلم, وتطبيق مفهوم المصالحة وهو امر ذو جذور شرعية من حيث المفهوم، وهو امر غير مقبول من حيث الحقوق الشخصية والمال العام لاسيما ونحن في مجتمع يرتبط بالحاضنة الدينية ارتباطا روحيا صاغ عاداته وتقاليده وطبع مشاعره بالحاجة الى المطلق الذي لاينفك عنه سوى في ساعات الغفلة والتراخي وهي الاستثناء والاستثناء ليس قاعدة في الحكم, وهذا الامر مما يغفل عنه الداعون الى فصل الدين عن الدولة او فصل السياسة عن الدين وهي دعوة فيها الكثير من العقوق للنظام الكوني العام, مثلما فيها عقوق وخذلان للعقل وهو سفينة الفكر والتأمل, فالعقل في كل مراتبه على مستوى العقل الهيولاني او العقل بالقوة او العقل بالفعل” على النحو المجازي” حيث العقل بالفعل والعقل الفعال فلسفيا ليستا من مختصات العقل البشري, فالعقل بمستوياته البشرية في لحظة توفر ملاكاته المتوازنة لايمكن ان يغادر الدين او يتنكر له, فعقوق الابناء للاباء لاتلغي البنوة والابوة, ولكنها تلغي مفهوم الاهل “ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين” – 45- هود . “قال يانوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسئلن ماليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين” – 46 – هود . وعليه فان الضجة التي ستكبر ثم تخبو كطبيعة الاجتماع وتأثره بالمستجدات, لن تغير من طبيعة الحقوق وتبعاتها والى ذلك اشار الامام علي “عليه السلام” عندما قال عند توليه الخلافة: “والله حتى العلف الذي اكلته خيولهم سارتجعه الى بيت المال” فمن يسترجع حق العراقيين المنهوب بين فساد غاشم وطمع ظالم في رواتب خيالية وامتيازات لاابالية وصلاحيات ارتجالية.