للعراق ألفة مع الأزمات أكسبته خبرة وأعطته مناعة، فهو دائما يقوم من كبوته بينما لا تمتلك دول أخرى كثيرة مثل هذا الاستعصاء الملفت للنظر، والذي جلب له حسادا كثيرين، مثلما جلب له طامعين تزدحم بهم ذاكرة الماضي والحاضر.
ولقد كانت العرافة العربية “طريفة الخير” التي قادت الهجرة العربية الأولى في التاريخ بعد خراب مملكة سبأ التي تحدث عنها القرآن الكريم، والتي قال عنها الشاعر:
ولا تستهن كـيد الضعيف فربما
تموت الأفاعي من سموم العقارب
وذلك في إشارة إلى الفار الذي هدم سد مأرب، كما في القصص والأساطير.
والعرافة العربية “طريفة الخير” هي أول من وصف العراق وصفا يستجمع صورة لم تغادر مخيلة وانطباعات الدارسين للحالة العراقية سياسيا واجتماعيا، حيث قالت:
1- من يريد الثياب الرقاق
2- وكثرة الأرزاق
3- والخيل العتاق
4- والدم المراق
5- فعليه بالعراق
وهكذا قدم الأبرش وجماعته إلى العراق كما يقول صاحب كتاب أخبار مكة في التاريخ وهو ابن الأزرق المتوفى سنة 250 هجرية.
وظلت مقولة “العراق بستان قريش” مقولة السطوة السياسية والتفاخر الذي يبحث عن الامتيازات للعوائل والأسر، وهذا النفس هو الذي ظل سائدا إلى اليوم رغم تغيرات المنطقة والعالم، وما قضية البحرين ومطالبات الغالبية من أهلها بحقوقهم بطريقة سلمية والتي صادرتها عائلة ال خليفة المستقوية بأسرة آل سعود وبقية الأسر الخليجية التي أدمنت العيش تحت ظل حماية دولية أمريكية تعطي كل اهتمامها للأمن الإسرائيلي، مما جعل أنظمة الحكم الخليجية والتي ظهرت مع الموجة الجديدة التي مازالت غير واضحة المعالم بالنسبة لشعوبها، ولكن ارتياح الجانب الصهيوني لأنظمة الخليج ومن يتعاون معها من الأنظمة الجديدة من موجة ما يسمى بالربيع العربي وهي تسمية فيها الكثير من الالتباس، الذي يجعل الارتياح الصهيوني تشكل علامة استفهام كبيرة على الذين يشملهم ذلك الارتياح الإسرائيلي، وهذا أمر منطقي على طريقة التلازم المعروفة عند المتكلمين.
والمشروع السعودي الذي يطرح فكرة الاتحاد مع البحرين يشكل هاجسا مريبا لبقية الإمارات الخليجية التي أصبحت مهددة قسرا من حيث تدري او لا تدري مشروع نصب الدرع الصاروخي الأمريكي في الخليج بحجة استهداف إيران.
والعارفون بالشأن الدولي وبالإستراتيجية الدفاعية ومنظومة الأمن الدولي لا يرون وجود ضرورة للدرع الصاروخي في الخليج بعد ان نصب الدرع الصاروخي في تركيا المجاورة لكل من إيران وروسيا الاتحادية.
ويرون أن فرض الدرع الصاروخي في منطقة الخليج المسترخية على حياة مدنية مترهلة، إنما يراد من ذلك خلق إحساس بالخوف والهلع من عدو افتراضي هو إيران، ومما يعمق هذا الشعور لدى أنظمة الخليج كونها هي الأخرى تعيش هاجس البعد الطائفي المتغلغل في ثقافة إقصائية شديدة التطرف جعلت من أتباعها والمتأثرين بها يضعون العراق وحكومته في مربع الريبة والشك الذي يفضل الهدنة مع الكيان الصهيوني بكل ماله وما عليه من عدوانية واغتصاب لحقوق الفلسطينيين وعدوانية طافحة بالحقد للجغرافية الإسلامية وأهلها، ولا يفضل التعامل مع حكومة العراق ليس لعدم ديمقراطيتها، بل للثقافة الإقصائية التي يمثلها فريق “المطوعة” السعودي في طريقة تعامله مع الحجاج بناء على فصل وعزل مذهبي غريب الأطوار، منكر الطبائع، ليس له دليل من كتاب ولا أثره في حساب، سوى التحريض على الكراهية والاحتراب، بينما يتهالك ملوكهم وأمراؤهم على إقامة أحسن العلاقات مع الداعمين لكيان الصهاينة، ومن الأدلة على ذلك وهي كثيرة قيام ملك السعودية بتقديم هدية لرئيس لبنان اثناء الزيارة الاخيرة للسعودية وهي عبارة عن طائرة هيلوكوبتر ولكنهم تراجعوا عن تقديم ذلك لأنهم تلقوا رفضا أميركيا مفاده أن هذه الطائرة متطورة ووجودها في لبنان قد تستعمل ضد إسرائيل.
هذه هي أنظمة المنطقة التي تعيش تبعية ذليلة في كل شيء إلا على شعبها وشعوب المنطقة كما قال الشاعر:-
أسد علي…. وفي الحروب نعامة.
والعراق تأتي معاناته مع هذا النمط من الأنظمة المسرفة في تبعيتها والتي تمضي في سياسات ضد مصلحة شعوبها والتي ستنقلب يوما ضدها كما حصل للكثيرين ومثال الشاه في ايران وصدام في العراق والقذافي في ليبيا مازالت ماثلة للعيان ولكن ما أكثر العبر واقل الاعتبار.
في العراق أصالة لا يعرفها الا من يعرف ماهية الأصالة ونوعيتها وهم قليلون.
وفي العراق تجدد وحيوية مدعومة بانفتاح اجتماعي وفطرة طيبة، قد يحلو للبعض استغلالها، ولكنه يغص بها أخيرا.
وفي العراق اليوم غيمة سياسية غير ماطرة، ومن يعرف فيزياء وكيمياء الغيوم يعرف ان رحيل الغيوم غير الماطرة بطيء، ولكنه لا يحجب الشمس.
وشمس العراق في مواصفاته التي ذكرتها العرافة العربية لا يقدح بسمعتها “الدم المراق” لان الشاعر العربي قال:-
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حـتى يراق على جوانبه الدم
ومثلما قال شوقي:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
وحرية العراق تمتلك استباقية حيرت الاسكندر الكبير، فاستشار الحكيم الإغريقي أرسطو فأشار عليه: بالتفرقة. فعجز عن ذلك وهو الذي بكى عندما غادر غوطة دمشق وقال: يحق لمن يغادر هذه الغوطة ان يبكي.
والعراق وسورية: امتداد لقبائل الهجرة العربية الأولى فالغساسنة الذين اخذوا مشورة العرافة العربية “طريفة الخير” سكنوا الشام، وهم الذين استنجد بهم قصي الجد الأعلى لرسول الله “ص” لانهم أخواله، فانجدوه وصارت سدانة الكعبة لقصي ومن هناك ظهرت قبيلة قريش وسادت.
ودمشق وبغداد تعرضتا لهجمات الإرهاب الوهابي الممول سعوديا وقطريا والذي يحظى بفتاوى شيوخ الفتنة من اتباع صاحب مقولة “عليهم السيف المسلول إلى يوم القيامة”.
وسورية التي استعصت على الحرب الكونية بإعلامها المقنن من الطبيعي ان تجد من العراق ظهيرا ايام الشدة، لان اهل العراق قبل حكومتهم يغلبون روح الوفاء في الملمات، وتلك سجية الاحرار.
ومن يعرف مجريات الامور وطبيعة التغيرات والتبدلات يعرف ان سورية هي البديل المقايض لامارات الخليج، لان الذين اقترحوا مشروع الدرع الصاروخي انما ارتهنوا دول الخليج من يعرفون او لا يعرفون.
بينما نفس الطاقم السياسي فشل في ايجاد ممرات آمنة في سورية، مثلما فشل في ايجاد مناطق عازلة على الحدود التركية والحدود اللبنانية مع سورية.
وليبرمان وفيلتمان الذين حركوا فتنة طرابلس في لبنان، جعلوا بعملهم هذا لبنان فريسة الفوضى والهوس الارهابي الذي يضيع عليهم فرصة “الخلية المختبر” في لبنان كما يريدونه تاريخيا.
وجو بايدن المنظر لتقسيم العراق وجد من صلابة الروح الوطنية في محافظة الانبار والموصل والنجف وكربلاء والبصرة تحديا وطنيا لايقاوم ولا يخدع بمسميات الفدرالية التي جعلت من مسعود البرزاني يخطئ في حسابات الحالة العراقية بلحاظ الضعف الحكومي الذي لم يكن لوحده في حالة الاستنفار.
والاحزاب والكتل السياسة التي افرزتها حالة الاحتلال ولم تكن افرازا طبيعيا لفرز سياسي وطني او نتيجة تخندقات طائفية وحواضن مزيفة رخوة تستهوي التمدد والاسترخاء على الانتشار بلغة العزيمة والتواصل الروحي الذي كان يمثله من يقول: وما محمد الا ابن امرأة من قريش كانت أمه تأكل القديد او الذي كان يقول من ظهر الكوفة: والله لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها. أمن مثلها في العصر الحاضر من أعار جمجمته لله على طريقة وصية علي بن ابي طالب لابنه محمد بن الحنفية، ذلك هو محمد باقر الصدر الذي كان يقول: انا معك يا اخي السني بمقدار ما أنت مع الاسلام وانا معك يا اخي الشيعي بمقدار ما انت مع الاسلام.
ان مشروع الاتحاد بين السعودية والبحرين هو خيار يستحضر الهزيمة لانه ولد ميتا، والوليد الميت يدفن باسرع من غيره.
واذا قدر له ان لا يموت بسرعة فسيكون سببا لتفجير المنطقة التي لاتمتلك مقومات الصمود والمقاومة لانها بنيت على جرف هار، وكل جرف هار يكون انهياره مصحوبا بخراب مابني عليه.
ومن هنا يتضح ان الأزمات التي يراد تطويق العراق بها لم تعد قادرة على تطويق العراق بعد كل الهوس الارهابي الذي رفع شعار الجهاد في العراق وجعل من شيوخ الفتنة الوهابية يباركون لمن يريد القتال في العراق والحكومة السعودية بشخص وزير الداخلية المخضرم الذي اصبح وليا للعهد الذي كان يسهل لاولئك المغرر بهم الحصول على جوازات السفر والذين قضى الكثير منهم نحبه في صحراء الانبار وهضاب نينوى واحراش ديالى ومزارع التاجي وابي غريب حيث هبت ضدهم عشائر حرف دجلة الشمالي ومقام الامام ابراهيم بن علي شاهد على اجرامهم وهو الواقع بالقرب من مثلث الفلوجة.
ان العراق يمتلك مقومات الخروج من الازمة سواء الداخلية المفتعلة بمراهقة سياسية سقط احد الاطراف صريعا يلتف حوله حبل القضاء، ووجد الطرف الاخر نفسه لايحظى بمؤازرة من وعدوه، بينما راح اخر يهرول لكل اجتماع خارج بغداد.
ان افلاسا سياسيا يخيم على خلية الضجة المفتعلة من اربيل الى مديات اخرى، لان اغلب المشاركين تنتظرهم ملفات هم يعتبرونها تصفية حسابات ولكن القضاء يقول غير ذلك.
والذين يستغلون فرصة الحراك السياسي الفاشل فيحاولون لفت الانظار ناسين ان الجمهور قد قال كلمته في مثل هذي التجمعات المعلبة بروح الشخصنة والادعاء المستفرغ من جوهر المضامين العلمية الا مايسبغه المرء على نفسه.
ان تشظيا في القوائم وفي الاحزاب والولاءات هو النتيجة المحسومة لصالح الوطن.
ومن يمتلك بوصلة الجاذبية الوطنية يعرف ان زيارة واجتماع كركوك هو حراك وطني محسوم لصالح التوحد العراقي وهي استراتيجية سريعة الانصهار في المعدن العراقي المركب من فلزات وطنية عالية الكثافة واخرى عالية المطاوعة والمقاومة للضربات الخارجية، وهذه حقيقة يعرفها من يعرف السر العراقي المنطوي على الحنين للوطن كحنين يادجلة الخير وكعشق الحمام لشواطئ الماء والطين.
ومع تماثل الازمة السورية للانتظام في خلاص اصلاحي مستمر، فان الازمة البحرينية تزداد سخونة قد لاتنتهي الا بالانفجار الذي يساعد عليه تصاعد حرارة المواقف من حولها فالقطيف ينتظر، واليمن يتململ، وبقية الامارات الصغيرة يعتصرها الخوف من المجهول القادم، العمالة الاجنبية في احشاء الخليج لاينفع مع شعار المولات والليالي الحمراء فهي محرومة وتعرف نقاط ضعف المالكين وحريمهم.
ان انكماشا يعتصر خزين الثراء الذي لايعرف كيف يتعامل مع الازمات الا من خلال البنوك والشيكات والطائرات المحجوزة وهذه جميعها لاتنفع من ينقطع فيهم الطريق، ومن تسد في وجوههم الابواب على غير العادة.
ان تغييرا في الولاءات والمواقف سيكون من حصة الداخل العراقي لصالح التوحد في هوية الوطن، مما سيجعل المشهد السياسي والاجتماعي يبدو بحيوية جديدة موعودة بنفس جديد ووجوه جديدة وان أدوارا مميزة ستظهر تلبية لإرادة وطنية تتجاوز التخندق الطائفي والمذهبي والعنصري، مما سيفرض مشهدا إعلاميا جديدا وحيوية ثقافية تسترجع مواقع المعرفة التأسيسية على وقع سيل من البرامج والمشاريع في كل من:-
1- الامن
2- المصالحة
3- التربية
4- الصحة
5- الزراعة
6- الصناعة
7- التجارة
8- السياحة
وعندها يسير مركب الوطن نحو التميز والتطور المؤسسي الذي حرم منه طيلة سنوات الاشتباك لشركاء العملية السياسية التي دخلها البعض بدون مؤهلات حقيقية، والتي ستكون التصفية فيها حتمية ولازمة لمقتضى حاجة الوطن والمواطن.
* رئيس مركز الدراسات والابحاث الوطنية